يسجل لحكومة الدكتور بشر الخصاونة أنها بدأت عهدها بالتعامل مع واحد من أخطر الملفات المسكوت عنها، على مدى حكومات عديدة.

فمنذ الأيام الأولى لتسلم الحكومة مهامها، أطلقت حملتها الأمنية الشهيرة للقبض على «البلطجية والزعران»، وضربهم بيد من حديد، مع وعد بأن تكون الحملة دائمة، والمعالجة فعالة، وصولا إلى تخليص المجتمع من شرورهم التي لا تقف عند حدود «الإتاوات»، والتسلط على الغير. بل تتعداها إلى ضرب الاستثمار، والسطو بكافة أشكاله، وممارسة نشاطات العصابات بكل أشكالها وأنواعها.

اللافت هنا، أن كل تلك الممارسات كانت معلومة، وتتم بشكل علني، وهناك معلومات عن رعايات لها من قبل متنفذين. إذ نذكر قصص سرقة السيارات وتخزينها في منطقة محاذية للعاصمة، يعقبها اتصال بصاحب السيارة المسروقة لمفاوضته على دفع مبلغ معين كشرط لإرجاعها.

ونسمع من جديد عن تدني أسعار الأراضي في تلك المنطقة التي تشكل امتدادا طبيعيا ومباشرا للعاصمة إلى أقل من نصف قيمتها الحقيقية قياسا بالمناطق المشابهة في الموقع والأهمية، وإجبار مصانع على توظيف اشخاص ودفع رواتبهم دون عمل، وانعكاس ذلك على النشاط الاستثماري.

هنا نتوقف عند تصريحات لمساعد مدير الأمن العام الأسبق اللواء عبد المهدي الضمور، أكد فيها وجود مئتي «أزعر» يتمتعون بحماية 30 متنفذاً. وتصريحات لأمين عام وزارة الداخلية الأسبق الدكتور رائد العدوان أشار فيها إلى أن وزيراً سابقا للداخلية طلب منه عندما كان محافظا العودة إلى مكتبه ليلاً لتكفيل أحد «البلطجية». ونتوقف عند كم الصور المسربة لنواب مع مطلوبين، وكلها تؤكد أن الخروج على القانون بهذه الطريقة، وغض النظر عن كل تلك الممارسات، مع استمراريتها يجري برعاية من متنفذين. وتؤشر على أن القوانين النافذة قاصرة عن معالجة الخلل الذي أصاب الثقة بين المواطنين والحكومات المتعاقبة، ومس هيبة الدولة في الكثير من المحطات.

من هنا، ومع التأكيد على احترام ما قامت به حكومة الدكتور بشر الخصاونة من جهد في هذا الملف، فإننا نرى أن هذا الجهد هو بداية مقدرة، لا بد من أن تتبعها خطوات عديدة، أبرزها استمرار الحملة وديمومتها، وتحديد الإجراءات التي تضمن العلاج الجذري.

ومن أبرز تلك الإجراءات عدم الاكتفاء بالتشريعات النافذة، والتي يمكن أن تتساهل في التكييف الجرمي بسبب مرونتها، وتخدم المتنفذين في غاياتهم. وبحيث يكون البديل قانونا لمكافحة البلطجة يشبه «قانون ريكو» الذي أصدرته الولايات المتحدة في أوائل السبعينات من القرن الفائت للتعامل مع المافيا.

أما العقوبة فمن الضروري أن تتدرج ما بين السجن والغرامة ومصادرة الأموال، وبين المؤبد، أو الإعدام طبقا للجرم المرتكب. وتطال العقوبة فيه من يمارس تلك النشاطات الاجرامية ومن يقدم الدعم له.

وبالتوازي، لا بد من وضع قائمة سوداء بأسماء المتنفذين الذين يقدمون الدعم والحماية لـ«البلطجية والزعران»، تكون موثقة في هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ولدى الأجهزة الأمنية، ومعتمدة في أجهزة الدولة، بحيث يحرم من يكون اسمه واردا فيها من إشغال أي موقع رسمي، أو الترشح لأي موقع تمثيلي.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com