زيارة وزير الخارجية الكويتية الشيخ الدكتور أحمد ناصر المحمد الصباح للأردن حاملا رسالة من سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الشقيقة، وقد سلمها لجلالة الملك بحضور سمو ولي العهد، لها من الدلالات والمعاني تتعدى حدود ومفهوم الزيارات البروتوكولية أو الروتينية أو الدبلوماسية، فهي الزيارة الأولى لمسؤول كويتي رفيع المستوى خارج حدود دولة الكويت منذ تسلم سمو الشيخ نواف مقاليد الحكم بعد وفاة المغفور له سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وهي دليل على العلاقة المتميزة والمتجذرة بين العائلتين الحاكمتين في البلدين الشقيقين، ترجمة للمصالح المشتركة والمصير الواحد، وربما نذكر الزيارة الملكية لجلالة الملك قبل أيام برفقة سمو ولي العهد لدولة الكويت الشقيقة للتعزية بوفاة الأمير الراحل، ايمانا مطلقا بالتوأمة الحقيقية الممتدة، وإذا كانت الكويت الشقيقة تمثل الذراع الحانية لمشاكل الأمة، فهي بحاجة للتنسيق المستمر مع عميد الدبلوماسية العربية، الذي ضبط ايقاع ومؤشر الأحداث التي تعصف بمنطقتنا، بحسه الاستباقي، ومواقفه القومية، ومكانته العالمية، ممثلا لصوت الاعتدال ومناصرة الشعوب، وربما أن زيارة عمان كمحطة أولى في العهد الجديد المستمر على النهج، تعطي جرعة مضاعفة من الاطمئنان على ثوابت العلاقات التي أرستها العقلانية وبُعد النظر الشمولي، بتحديات اقليمية متجددة ومستجدة ومتحورة، واقع يؤطر لزيادة التعاون الثنائي في جميع المجالات وخصوصا الصحية والاقتصادية والتعليمية والانشائية والانسانية، والتي ستنعكس بنتائجها على الفائدة المشتركة، وتخدم بذات الوقت قضايا الأمة العربية، وأولويتها القضية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، إضافة لملفات عدم الاستقرار التي تعصف بالعديد من الدول العربية، فتطابق وجهات النظر قد تبلور برؤية مشتركة، وتعطي مساحة لمساعي السلام التي تبنى على قرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، بما يضمن تحقيق قسط من الطمأنينة لهذا الإقليم المضطرب.

استعراض لتضاريس الواقع الحالي في منطقتنا يؤكد فاعلية هذا التشاور والتنسيق لتقوية البناء بالثقة والفعل، فالكويت تمثل البعد الخليجي وضابط ايقاع للمحافظة على الوزن المكتسب، وعمان تمثل قلب بلاد الشام، ومحطة الاسترشاد العربي بإجماع دولي، فرضته المواقف والأحداث، وتوافقهما بدرجة التكامل يضاعف القوة، ويفوت الفرصة على أضعاف النفوس للمشاغبة، ويصهر أحلام الغدر والاستعمار، خصوصا بعد ستة عقود من العلاقات المتميزة، التي تتجذر بالحكمة والعقلانية والاتزان، وعالمنا العربي اليوم بأمس الحاجة لتوظيف الحكمة التي يتمتع فيها القائدان، عبر ديمومة تنسيق المواقف، فكانت زيارة سمو وزير الخارجية الكويتي لعمان، عاصمة القرار، خطوة أولى تمهد لجهد مشترك بالمسار الصحيح ضمن رؤية برهنت الأيام وأحداثها بأهميتها، فهناك أوضاع غير مستقرة في العراق الشقيق الذي له حدود مشتركة مع البلدين، وهناك أوضاع مضطربة ومؤثرة بسوريا الشقيقة، وفوضى الخلل بلبنان الشقيق بعد حادثة مرفأ بيروت المدمرة، وهناك ترتيبات مستجدة في البيت الخليجي، إضافة للجرح الأفريقي النازف، ناهيك عن المحاولات الإسرائيلية لاختراق الحدود العربية بسياسة التفريق والوهم بوعود غبارية تتنافى مع تصرفات الواقع، وهناك تحديات لترسيخ هواية القضم بأمر واقع، نتيجة تضارب مصالح دول القرار للاستفراد، والخطر المضاعف المتمثل بأطماع وأمنيات وأحلام لبعض محاور الاستعمار الإقليمي؛ القديم والمتجدد بثوب الحرص، بهدف زلزلة الاستقرار، والمساعدة على ولادة تنظيمات تخريبية من رحم الأحداث المصطنعة، والتي تعتمد أساسا على إضعاف العلاقات الأخوية العربية، فالأطماع لدى البعض مرض مزمن ينشط بالضعف، والزعامة لديهم رصيد مناعة خشية كشف عوراتهم وأوهامهم، وهناك بيئة عربية حاضنة لتسهيل المهمة، نتيجة حتمية لسنوات الربيع العربي المظلمة.

العلاقات الأردنية- الكويتية أنموذج فريد في الاستقرار والنمو، استمدت أركانها من توجيهات القيادتين بحرص متبادل، وانعكست على الشعبين، فالجالية الأردنية التي تساهم بعجلة البناء الكويتي هي محل تقدير ورعاية منذ البدايات، والجالية الكويتية في الأردن مرحب بها برعاية مميزة تعكس روح الإخاء وتترجم معنى المصير المشترك، فاعتبار الأردن المحراب للطلبة الكويتيين لتلقي تعليمهم، يعطي وقود الاستمرارية للثقة المتجذرة والمتجددة، رعاية يتابعها القادة وللحديث بقية.