عمّان - د. أماني الشوبكي

يتفق العديد من الشباب الأردني، دون قصد، على العزوف عن المشاركة في الانتخابات النيابية المزمعة ومقاطعتها.

ويرجعون ذلك إلى شعورهم باللاجدوى وفقدان الثقة بالبرلمان نتيجة تجاربهم ومشاهداتهم للمجالس السابقة. وكذلك لانشغال كثير منهم بالبحث عن لقمة العيش بسبب الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها، وبخاصة هذه الفترة التي زادتها جائحة كورونا حراجة.

ظاهرة «العزوف الانتخابي» أو «اللامبالاة السياسية»، لدى فئة كبيرة من الشباب، هي ليست وليدة اللحظة، وإنما جعلهم تفشي وباء كورونا وتزايد سوء أحوالهم المعيشية وفقدان كثير منهم وظائفهم، أكثر إحباطاً وتشككا بالأشخاص المرشحين للانتخاب الفاقدين للبرامج الداعمة للشباب.

الشعور باللاجدوى

يقول الشاب زيد المناصير إنه لا يفكر بالانتخاب والتصويت «ولا يهمني هذا الأمر، بالوقت الذي تخرجت ولا أجد فرصة عمل.. كما أنني لم أجد بين المرشحين من يضع برنامجا مقنعا يهتم بالشباب».

ويوضح المناصير أن ما يهمه الآن هو «تحسين وضعي الاقتصادي أكثر من أن أصوت لمرشح لن ينفعني كشاب بأي اتجاه مثله كمثل الذين سبقوه».

أما علي الجبور فيؤكد أن بعض المرشحين «دون المستوى المطلوب.. ولا يعقل أن يبادر شاب عاطل عن العمل بانتخاب من هم دون المستوى العلمي والجامعي».

وهو لا يرى جدوى في أن يذهب ويقف في الطابور لساعات طويلة وبنتظر دوره «لكي أنتخب المرشح هذا أو ذاك».

ويستذكر أنه انتخب سابقا مرشحا عن دائرته الذي انهال عليهم بوعود كثيرة للشباب؛ «ولكن للأسف منذ فوزه لم نره».

ضعف المرشحين

الشابة هبة أبو عصب تشير إلى أن من أهم أسباب ظاهرة العزوف الانتخابي أو اللامبالاة السياسية لدى العديد من الشباب أنهم «لم يجدوا من يمثلهم بين الأحزاب، وأن كثيرا من المرشحين دون المستوى المطلوب لحل مشكلة البطالة التي يعاني الشباب منها».

وتلاحظ أن هناك عدم ثقة بين الشباب السياسيين وكذلك البرلمانيين، وأن الشباب حالياً «عادوا لنقطة الصفر من حيث الثقة والأمل بالتغيير».

وهي تصنف الشباب إلى ثلاثة أصناف: «الأول هو غير المبالي، وهو الذي يمتلك وعيا حول الوضع السياسي والانتخابات ولديه دراية بالشأن العام، ولكنه لا يعتبر توجهه إلى صندوق الاقتراع أساسيا.

والصنف الثاني من الشباب هو «الرافض.. الذي لا يذهب إلى صندوق الاقتراع ويقدم خطابا ناقما وغاضبا حيال الوضع السياسي، وتجد لديه قلة ثقة في المسار السياسي بشكل عام.

أما الصنف الأخير فهو الفئة التي لديها نقص بالوعي ولا تدرك حقيقة أن هناك عملية انتخابية ولا تدرك ما معنى الانتخابات.. وتفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب من الوعي بالشأن العام السياسي والانتخابي».

وهذا الصنف، بتقدير هبة، «بعيد كليا عما يجري بالمشهد السياسي وهذا يرتبط بقلة الوعي وعدم الاهتمام».

تراكم الخيبات

ويرى الشاب مراد المعايطة أن ما آل إليه الشباب الآن، وبعد العديد من «الخيبات المتراكمة والصور المزروعة بذاكرتنا عن الحياة السياسية، أصبح من الجيد باعتقادنا ألا نبالي في المشاركة بالحياة السياسية ولا دورنا ولا قيمتنا».

ويشير إلى أن الشباب «يعون ما يجب أن يكون وما هو كائن وما هي الفجوة بينهما».

ويعتقد المعايطة أن العديد من الشباب «غير صادقين عندما يقولون (أنا بدي أصلّح بالمجتمع) وأنهم يريدون نائبا ليخدمهم ويقوم بتوظيفهم، فيخذلهم النائب ويبتعد عن دوره.. وتتكرر العملية في كل الأدوار والمحافل السياسية والأحزاب والدوائر الحكومية، وحتى والخطط الاستراتيجية»...

ويعتقد أن الحل باختصار، ورغم صعوبته، «أن نكون صادقين وشفافين ونمتلك النزاهة بمعناها الحقيقي، شباباً أم حكومةً».

فجوة الواقع والطموح

الطالبة الجامعية أسيل العويضات ترى أن التغيير الإيجابي مرتبط بمدى مشاركة الشباب بالانتخابات، «وهي حق وفرصة في نفس الوقت».

وتؤكد أن الشباب يعاني اليوم أزمات اقتصادية وسياسية ويعيش فجوة هائلة بين الطموح والواقع المعاش «خلقت لامبالاة سياسية بسبب انعدام الثقة في الحكومات والمجالس التشريعية».

وتعتقد أن السبب هو أن «أغلب المرشحين لا يلتزمون بالمصلحة العامة للوطن والشعب، كما أن هناك غياباً واضحاً لدور الأحزاب».

غياب الأحزاب

ويؤشر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحسين بن طلال مدثر أبو كركي إلى عدم وجود ثقة عند المواطن في المجالس النواب السابقة بسبب ضعف أدائها في مواجهة الحكومات السابقة حتى صارالمواطن يشعر أن المجلس مسؤول عن ارتفاع الأسعار وفرض الضرائب عليهم ولم يكن مدافعا عنهم في مواجهة الحكومة.

وينبه إلى أنه في ظل غياب الأحزاب السياسية عن المشهد الانتخابي «سيبقي مجلس النواب غير قادر على مواجهة الحكومة». ويلفت إلى أن الجميع يعلمون أن وجود الأحزاب ومشاركتها «سيعزز المشاركة السياسية من خلال التنشئة السياسية».

لذلك، يدعو إلى «تغيير قانون الانتخابات وأن يكون الترشح للانتخابات عن طريق الأحزاب وليس كما هو معمول به حاليا عن طريق القوائم».

ويعتقد أبو كركي أن هناك تأثيرا كبيرا للأوضاع المعيشية للمواطنين على حجم المشاركة السياسية ومن ضمنها الانتخاب.

ويؤكد أن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة تشكل أحد أهم المسببات لعدم المشاركة في الانتخابات النيابية و«هذا كان سبب عزوف الشباب في السابق عن المشاركة».

ويعرض لتداعيات جائحة كورونا.. من فقدان الوظائف في القطاع الخاص ووقف التعيينات في المؤسسات الحكومية حسب قانون الدفاع وأوامره التي زادت نسب البطالة والفقر.

وهو يعتقد أنه حسب المعطيات الحالية فإن «نسبة كبيرة من الشباب لن يكون من اهتماماتها المشاركة في الانتخابات وخصوصا في المدن الكبرى.. أما باقي المدن فستكون مشاركتهم ضمن الفزعة العشائرية».

أثر الإحباط

ويلتفت مستشار الطب النفسي الدكتور موسى المطارنة إلى الحالة النفسية التي يعاني منها الشباب في هذه الفترة من كثرة الضغوط النفسية عليهم وأثرها على مشاركتهم بالانتخابات النيابية.

ويرى أن الشباب أصيبوا بالإحباط من أداء المجالس السابقة التي كان دورها شبه مغيب.. وبرز هذا الغياب جليا في ظل الجائحة؛ «إذ لم يكن لهم دور في أي شيء».

وينبه المطارنة إلى غياب البرامج الشبابية في حملات المرشحين في الوقت الذي يحتاج الشباب لدعم حقيقي لأنهم الأكثر تضررا من جائحة كورونا.. «فمنهم من فقدوا وظائفهم ومنهم من يبحث عن مأكل ومشرب وهم مشغولون بتأمين أساسيات حياتهم ولا يبالون بموضوع الانتخابات والمرشحين».

ويأسف للحالة التي وصل إليها الشباب في نظرتهم حيال الحياة السياسية جرّاء تجاربهم مع المجالس السابقة التي لم تضعهم أولوية في برامجهم مع أنهم النسبة الأكبر من الناخبين وهم بحاجة لأن يشاركوا في قيادة المجتمع ويُظهروا ما تعلموه.

ويشدد على دور الحكومة في دعم الشباب والاهتمام بمشاكلهم المتمثلة بالبطالة، وتأمين مستقبلهم حتى لا ينتج جيل ضعيف مليء بالمشاكل النفسية التي تتولد نتيجة الفقر والضغط النفسي الذي يوصلهم للإجرام.

الهمّ الاقتصادي يطغى

الخبير الاقتصادي الدكتور وجدي مخامرة يلاحظ عدم رضا الشباب عن موضوع الانتخابات لأنها «حسب رأيهم لا توصل الأشخاص المناسبين الذين يدافعون عنهم وعن توقعاتهم وعن مستقبلهم».

ويلفت إلى تولّد قناعات عند شباب كُثُر «أن الذين يترشحون للانتخابات هدفهم تحقيق مصالح شخصية وليس خدمة الشباب والوطن».

ويبين أنهم يشعرون بالخذلان من تجاربهم السابقة السيئة مع المجالس النيابية وفقدوا ثقتهم بمجلس النواب لأنهم لم يروا أي مجلس قدم أي خدمات لجيل الشباب».

ويؤكد مخامرة أن الشباب حالياً مهتمون بتحسين أوضاعهم الاقتصادية التي تردّت للأسف في ظل ظهور جائحة كورونا وفقدان العديد منهم لوظائفهم ومنهم من تخرج ولم يجد وظيفة وأنهم غير مهتمين بالمشهد السياسي.

ويشير إلى أن الجانب السياسي اختفى بالنسبة للشباب وطغى عليه الجانب الاقتصادي الأكثر أهمية بالنسبة لهم في هذا الوقت لأن العملية الانتخابية ينقصها الأساسيات المهمة لها كالأحزاب وبرامجها الحقيقية التي تشجع على الانخراط بالعمل السياسي».

وهو يقر أن الحكومة حاولت أن تشجع الشباب على الانخراط بالعمل السياسي إلا أنها لم توفق بشكل قوي وحقيقي لأن «هناك حكومة عميقة لا تريد تطوير عمل الشباب والأحزاب».