أ.د. جودت أحمد المساعيد خبير المناهج وطرق التدريس

على الرغم من أن نظرية جاردنر ليست أول نموذج يشير إلى أن الذكاء البشري يتصف بالتعدد، إلا أن ما يعزز هذه النظرية هو ارتكازها على مدىً واسعٍ من العلوم والمصادر كالأنثروبولوجيا، وعلم النفس المعرفي، وعلم النفس التطوري، والقياس لنفسي، ودراسة الحالة التي تتناول السيرة الذاتية للأفراد، والطب المتعلق بالإنسان، والطب البيطري، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم الأعصاب. ومن كل هذا، وضع جاردنر عدة معايير يجب أن تؤخذ بالحسبان عند دراسة أي ذكاء من الذكاءات المتعددة، وهي تشمل المعايير المشتقة من العلوم البيولوجية وتتمثل في عزلة أو استقلالية القدرة في حال التلف الدماغي، حيث اعتمد جاردنر هنا على أبحاث الدماغ التي توصلت إلى تحديد المناطق الدماغية والعصبية المسؤولة عن كل نشاطٍ حيوي يقوم به الفرد، والتي أثبتت أن هذه المناطق تتمتع باستقلالية نسبية في وظائفها، وتتيح نوعاً من التخصص، بحيث إذا تعرضت مقدرة معينة للتلف، فإن المقدرات أو الذكاءات الأخرى تبقى سليمة. ويظهر ذلك جلياً عند الأفراد الذين تعرضوا إلى إصابة في الجزء الأيسر من جبهة الرأس، حيث تتأثر لديهم القدرة اللغوية، فتظهر لديهم صعوبة في التحدث والقراءة والكتابة.

ومع ذلك، تبقى القدرات الأخرى تعمل بالفاعلية المطلوبة، كالقدرة المنطقية، والقدرة الموسيقية، والقدرة الحركية، والذكاء الانفعالي. وينطبق الحال كذلك على الأشخاص الذين يتعرضون لتلف في النصف الكروي الأيمن من جبهة الرأس، حيث تتأثر قدراتهم الموسيقية. أما عندما يحصل تلف في الجزء الجبهي، فإنه يؤثر على الذكاء الشخصي، وهكذا تبعاً للمنطقة المسؤولة عن كل ذكاء. ومن المعايير الأخرى وجود تاريخ تطوري ونمائي للذكاء، الذي يستند إلى علم النفس التطوري الذي يبحث في تطور القدرات البشرية مع الزمن، والذي يؤكد على أن لكل قدرة تاريخاً تطورياً عبر الزمن، يقوم على القوانين البيولوجية التي تعتمد على الانتقاء والاستخدام والإهمال لهذه القدرة. فمثلا بدأ تاريخ الذكاء الجسدي الحركي والذكاء الطبيعي من أنشطة الصيد والتنقل والهجرة، وذلك من أجل عملية البحث عن الأمن والغذاء في الأنشطة المختلفة لحرفة الرعي وحرفة الزراعة.

وهناك أيضاً المعايير المشتقة من التحليل المنطقي، والتي تتضمن الإجراءات التي يشتمل عليها الذكاء، التي تؤدي إلى الصورة النهائية له. وهنا يشبه جاردنر كل ذكاء، ببرنامج الحاسوب الذي يحتاج إلى مجـــموعة من العمــليات والمعالجات التي تنظم الأنشطة المختلفة له، حيث يعمل على استقبال المعلومات من العالم الخارجي ومعالجتها ثم إخراجها بصورةٍ نهائية. ولكل ذكاءٍ من هذه الذكاءات عملياتٍ معرفيةٍ متصلة بمجالات الذاكرة، والانتباه، والإدراك، وحل المشكلات. وقد تكون الذاكرة المسؤولة عن الألحان هي نفسها المسؤولة عن حفظ الأرقام والوجوه، وقد يكون للفرد القدرة على إدراك الألحان الموسيقية ولكن ليس لديه القدرة على تمييز الكلام الشفوي. ومن المعايير المهمة أيضاً القدرة على التعبير عن الذكاء بصورة رمزية، حيث يشير هذا المعيار إلى أنه للحكم على أي قدرة على أنها ذكاء، فإنه لابد أن تكون قابلة للتعبير عنها بالرموز أو الصور أو الأرقام أو الكلمات، وذلك تبعاً لنوع الذكاء. فالذكاء المنطقي يمكن التعبير عنه بالأرقام والرسوم البيانية، والذكاء الجسدي بالحركات التعبيرية والإيحاءات الجسدية، وهذه الرموز استخدمها الإنسان منذ القدم للتعبير عن المعرفة، ونقلها عبر الثقافات المختلفة، والتي تتضمن ثلاثة أنظمة رمزية هي النظام الرمزي اللغوي، والنظام الرمزي التصويري، والنظام الرمزي المنطقي الرياضي. ويرى جاردنر، بأن الخاصية الأساسية للذكاء، تكمن في القدرة على التعبير عنه و تجسيده في أحد الأنظمة الرمزية السابقة.

أما عن المعايير المشتقة من علم النفس التطوري، فتشمل وجود تاريخ نمائي لكل ذكاء، حيث يؤكد جاردنر من خلال هذا المعيار، على أن الذكاء ليس سمة مطلقة ثابتة منذ الميلاد وخلال الحياة كما ترى النظرية التقليدية للذكاء، بل إن لكل ذكاء النمط النمائي الخاص به، يبدأ منذ الطفولة وينمو خلال المراحل النمائية المتتالية. فالذكاء الموسيقي مثلاً يبدأ في مرحلة عمرية مبكرة ويبقى مرناً حتى الشيخوخة. فمثلاً، الموسيقار المشهور موزارت قام بتأليف معزوفات موسيقية وهو في سن الثالثة، وكتب السيمفونيات وهو في سن التاسعة، وبقيت موهبته متألقة رغم تقدمه في العمر. أما بالنسبة للذكاء المنطقي، فيظهر في مرحلة متأخرة من الطفولة، ويبلغ ذروته في مرحلة المراهقة، ويتدهور مع التقدم في العمر. والمتأمل لتاريخ الذكاء الرياضي، يتبين له أن الاكتشافات المهمة كانت في سن المراهقة. فالعالم آينشتاين عمل على تقديم نظريته النسبية في سن السادسة عشرة.

ويُشار هنا إلى أن هذا التاريخ النمائي يخضع إلى ما تقدمه البيئة والثقافة من ظروف تساعد على نمو هذا الذكاء، وظهوره لدى الفرد أو تدهوره وتلاشيه. فلكل ذكاءٍ فترة حرجة ومؤشرات تدل عليه في مرحلةٍ عمريةٍ معينة. وإذا لم يتم الاهتمام والعناية به في هذه الفترة، فإنه سيتلاشى. ولهذه الفكرة أبعادها التربوية المهمة، إذ يجب على الأنظمة التربوية أخذ هذه الحقيقة بالحسبان عند بناء المناهج الدراسية وفي إجراءات التقييم والتشخيص التي تتبعها. ويظل وجود عدد من الحالات غير العادية مثل الأفراد المعاقين ولكنهم مبدعون، وكذلك الأفراد الموهوبون الذين يواجهون صعوبات التعلم. والمقصود بالأفراد غير العاديين أولئك الأفراد الذين يظهرون تطوراً وتفوقاً في ذكاءٍ معين، بينما يظهرون في الوقت نفسه تدنياً ملحوظاً في الذكاءات الأخرى، مما يؤكد العزلة النسبية للقدرات العقلية. ومن الأمثلة على ذلك، الأفراد الذين يظهرون تفوقاً في القدرات الرياضية المنطقية والفراغية وفي الوقت ذاته لديهم قصور واضح في القدرة على التواصل مع الآخرين.

وفي الوقت نفسه، فإن الأفراد المعاقين عقلياً ممن يظهرون تدنياً واضحاً في القدرات اللغوية والقدرات المنطقية، ولكنهم مبدعون في القدرة الجسدية الحركية، فإنهم ينتجون أعمالاً يدوية غاية في الإتقان، أو مبدعون في أداء الحركات التعبيرية والحساسية للموسيقى، فيرقصون بانسجامٍ وتفاعلٍ مع الألحان، وكذلك الأفراد الموهوبون ذوو صعوباتٍ في التعلم، الذين يحققون تفوقاً ملحوظاً في بعض المهارات الأكاديمية وفي الوقت ذاته يظهرون صعوباتٍ تعلميةٍ في الجوانب الأكاديمية الأخرى. وأخيراً هناك المعايير المشتقة من الأبحاث السيكولوجية التقليدية مثل الدعم من المهمات النفسية التجريبية ، إذ استفاد جاردنر من نتائج البحوث التجريبية النفسية لاستخدامها كمعيار للحكم على الذكاءات، كالدراسات التي تبحث في القدرات المعرفية مثل الذاكرة والإدراك والانتباه، التي أكدت أن للفرد تفوقا في بعض القدرات وانخفاضا في بعضها الآخر، ثم الدعم من نتائج القياس النفسي للقدرات العقلية، حيث استطاع جاردنر من نتائج الاختبارات الفرعية الموجودة في مقاييس الذكاء التقليدية، التأكيد على وجود هذه الذكاءات المتعددة. فمثلا، يضم مقياس وكسلر للذكاء اختبارات فرعية تتطلب ذكاءً لغوياً (معلومات ومفردات) وذكاءً منطقياً (كالرياضيات)، وذكاءً مكانياً (كترتيب الصور) وذكاءً جسمياً (كتجميع الصور). كما قد يتفاوت الأفراد في الإجابة عن فقراته، فربما يحصل الفرد على درجةٍ مرتفعةٍ عن الفقرات الخاصة بالألفاظ والمعاني،ودرجة متدنية عن الفقرات الخاصة بترتيب الصور، وهذا التفاوت في الدرجات يدعم فكرة الاستقلالية النسبية للذكاءات المتعددة.

profjawdat@yahoo.com