عمان- غدير سالم

احتفل العالم الاسبوع الماضي باليوم العالمي للصحة النفسية. ويأتي هذا الاحتفال هذا العام بنكهة مختلفة جراء ما احدثته جائحة كورونا من تغييرات كثيرة في يوميات وسلوكيات الأفراد خاصة بعد إعلان ضرورة الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي كأفضل وسيلة للحد من تفشي المرض. حيث سببت هذه الاجراء مشاكل نفسية عند الكثيرين مما يظهر الحاجة الماسة لأهمية الدعم النفسي خلال هذه الفترة الاستثنائية.

فقد سبب انتشار هذا الوباء وما رافقه من تحذيرات الى سيطرة مشاعر القلق والخوف والوسواس القهري وغيرها من الاضطرابات النفسية.

ويجمع الأخصائيون في الصحة النفسية أن الحجر الصحي المفروض على أكثر من مليار شخص حول العالم ليس أمراً سهلاً ولا موضوعا يستهان به، إذ أنه إجراء استثنائي وغير مسبوق يقيد الحريات الفردية، وهذا الوضع يتسبب بمشاكل نفسية للعديد من الأشخاص، خاصة بالنسبة للذين يفشلون في التعاطي بشكل إيجابي مع هذا الظرف.

وهنا يظهر اهمية العلاج النفسي في هذه الفترة حيث يوضح مستشار العلاج النفسي الدكتور عبدالله الرعود قائلا: «إن دور الأخصائي النفسي في ظل جائحة كورونا وما بعدها يعد كبيراً ومهماً؛ ففي ظل هذه الظروف العصيبة النادرة الحدوث والغريبة على مجتمعنا و الذي تعود على الأمن والرخاء، وتحوُّل الوضع إلى درجة عالية من الحظر والحجر الصحي، ومنعِ التجوال، وفرض حالة قسرية صعبة من عدم السماح للجميع بالحركة والتجوال، وفرض قيود اجتماعية بتقليل المناسبات الاجتماعية،هذه جميعها تجعل الناس في حالة من الهلع وعدم الاستقرار، وقد تظهر أشكال من حالات الضغوطات والاضطرابات النفسية وحالات العصاب المتمثلة بأنواع القلق النفسي العام مثل الخوف والتوتر وحالات الوسواس القهري والتوهم المرضي بسبب المبالغة بالتعقيم والتطهير وتكرار الغسل والمبالغة بالأفكار السلبية حول المرض، وتركيز الانتباه والاهتمام على المرض والعدوى وطرق الانتشار ومتابعة الأخبار المؤلمة حول المرض والمصابين والوفيات والمحجور عليهم ومدة الحجر والأعراض الناتجة عن المرض وحتى الوفيات وطرق دفنهم بدرجة عالية من الحذر ونقل العدوى».

ويبين الرعود: «وهناك أيضا الوضع الاقتصادي وما ينتج عنه من ضعف الأمان المادي وتعطيل الأعمال وارتفاع الأسعار والتلاعب بها وجشع بعض التجار». ويوضح الرعود أن: «هناك نسبة من المرضى النفسيين المشخصين بأمراض نفسية قبل الجائحة تزداد لديهم درجة الأعراض، كما أن هنالك حالات نفسية سابقة غير مكشوفة بالرغم من معاناتهم». وينوه الرعود إلى أنه: «من المهم جدا عدم إغفال وإسقاط العامل النفسي ودور الأخصائي النفسي أثناء الجائحة، كما أن هناك دورا مهما بعد الانتهاء من هذه الجائحة والتعامل مع حالات متعددة من عصاب ما بعد الصدمة الذي سيظهر بشكل واسع خاصة للأشخاص المحجور عليهم والمصابين والأشخاص المقربين من المصابين والمحجورین بسبب الوباء ». ويرى الرعود أنه: «اضطراب عصاب ما بعد الصدمة سيؤثر على الاستقرار النفسي والحياة الاجتماعية والتكيف مع العمل».

ويضيف الرعود : «و هنا يبرز دور الأخصائي والطبيب النفسي واخصائي العلاج النفسي الإكلينكي في التعامل مع هذه الحالات ومعالجتها بواسطة الجلسات النفسية، وإعطاء العقاقير للحالات الشديدة حتى لا تتطور إلى أمراض نفسية مزمنة يكون لها تأثيرات مرضية جسدية كأمراض ضغط الدم والسكري، واضطراب القولون والغدد، وجوانب متعددة تؤثر على كافة جوانب الجسد ». ويبين الرعود: » إن حالة وظروف الحجر تكشف عن الصلابة النفسية، والقدرة على المرونة والتكيف مع الظروف المستجدة الضاغطة وتقدير واحترام الذات، أما الأشخاص المتهورون الاندفاعيون فلا يظهر لديهم التزام ولا يهتمون بالقواعد والتعليمات».

أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي يقول: «في الواقع إن دور الأخصائي والمرشد والطبيب النفسي لا يقل أهمية عن دور الأطباء والممرضين في ظل فيروس كورونا، فالإرشاد النفسي يعمل ضمن مناحي أساسية من ضمنها منحى نسميه المنهج الوقائي والمنهج النمائي والمنهج العلاجي وبالتالي المنهج الوقائي هو جانب أساسي من جوانب الإرشاد والدعم النفسي».. ويتابع: «وبالطبع في ظل هذا الفيروس سترتفع معدلات القلق والخوف والإحباط والاكتئاب خاصة عند تزايد أعداد المصابين في شتى أنحاء العالم والانتقال السريع لهذا الفيروس. ويضيف: «لذلك هناك دور مهم للأخصائي والمرشد والطبيب النفسي في بث الطمأنينة والتعامل مع هذا الفيروس ضمن الإجراءات الوقائية الطبية المتبعة».

ويرى التميمي أن: «دور الطبيب والأخصائي النفسي يأتي خلال وبعد هذا الوباء، خلال هذا الوباء من خلال الجانب الوقائي في الحد من المخاوف والهواجس والقلق الناتج عن هذا الوباء للجميع سواء للأشخاص غير المصابين، وحتى المصابين والمخالطين أيضا لأنهم بحاجة لدعم نفسي وبحاجة إلى تقديم رعاية أولية من خلال ما يسمى بالإسعافات النفسية الأولية وهي عبارة عن الاستجابة الإنسانية الداعمة للأشخاص وقت وقوع الأزمات بما يحفظ كرامتهم، وتلبية احتياجاتهم» ويبين التميمي أن: «الإسعافات النفسية الأولية تتضمن جوانب نفسية أربعة قد نجملها بأربع نقاط أساسية أولا قدرة الشخص التقييمية اللوضع والمسح (من هم الأشخاص المحتاجون للدعم النفسي أو الإسعافات النفسية الأولية) الجانب الثاني يسمى (أنظر) أي من هم الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالقلق والتوتر سواء كانوا أطفالا أو مسنين أو ذوي احتياجات خاصة.

ويضيف: «والجانب الثالث هو (استمع) أي قدرة الشخص على الإصغاء وتفهم الوضع النفسي الذي يعاني منه هؤلاء الأشخاص في ظل هذا الفيروس غير المرئي والذي يثير الخوف، فنحن لا نقلل من الأثر السلبي لهذا الفيروس وطريقة انتقاله السريعة، وهذا بالطبع يثير الخوف ولكن لا بد أن نفرق بين الخوف الطبيعي والمرضي، فالخوف الطبيعي يكون محدودا ويزول بزوال المسبب، أما المرضي فهو خوف زائد في التكرار والشدة ويعطل من وظائف الحياة اليومية وهنا قد يقود كما ذكرنا إلى اضطرابات نفسية كالقلق والخوف والوهم المرضي»: «أما الجانب الرابع فهو (الربط) مقدار ما يملك الشخص الذي يقدم الإسعاف النفسي قاعدة بيانات عن ماهية هذا الوباء وكيف ينتقل، وما هي الإجراءات الوقائية التي تقي من هذا الوباء، إضافة إلى من الجهات أو الأشخاص الذين يقدمون الدعم، سواء الدعم الطبي والمساعدات في ظل الإجراءات التي اتبعت من حظر التجول، والأضرار التي تلحق بأناس كثيرين كتعطل أعمالهم وأمورهم اليومية، فهذه الجوانب الأربعة يستطيع أي شخص مدرب غير الأخصائي والطبيب النفسي يمتلك مهارات تواصل فعالة أن تتوفر لديهم هذه المهارات وهي (الاستعداد، النظر، الاستماع، الربط) حتى يساعد الأشخاص سواء قبل وقوع المشكلة كإجراءات وقائية وأثناء ذلك». ويوضح التميمي: «لا يقتصر دور الأخصائي النفسي فقط خلال الجائحة وإنما أيضأ بعدها فسيفرز بعد زوال هذا الوباء كثير من الحالات التي تعاني من القلق والخوف والوسواس، ولدي حقيقة في الوضع الحالي كأخصائي نفسي أعمل في أكثر من جهة سواء في مخيمات اللجوء أو من خلال الحالات التي تردني عبر الهاتف، أو حالات تعاني بالأصل من خوف و وسواس قهري زاد لديهم القلق والوسواس بما يخص التعقيم وتكرار غسل اليدين، وتنظيف الأسطح، والشك في عدم النظافة». ويتابع: «وهذه الأمور رغم أنها إجراءات أساسية ووقائية للوقاية من هذا الفيروس، لكن عملي كتعزيز وكمحفز وكمثير مخلق للأشخاص الذين يعانون بالأصل من اضطرابات نفسية فهؤلاء الأشخاص يحتاجون لدعم سواء عن طريق الجلسات النفسية من خلال كيفية التعامل مع الضغوط وهذا الوباء، والقدرة على التحكم في الأفكار اللاعقلانية أو الأوتوماتيكية التي ترتبط في ذهن الأشخاص جراء قدوم هذا الشيء، لأن الخوف يكون عند الأشخاص القلقین عادة من شيء مرتقب قادم، فيشعر الشخص أنه مصاب به فعلة وهذا يؤثر على جسده ومشاعره وسلوكه بشكل سلبي ويقوده ربما إضطرابات نفسية». ويوضح التميمي: «سيفرز لدينا أيضأ حالات كثيرة بعد فيروس كورونا خاصة الأشخاص الذين أصيبوا بهذا الفيروس أو الأشخاص المخالطين لهم، وربما يتطور لديهم إذا كان لديهم قلق متأصل من هذا الفيروس إضطرابات ما بعد الصدمة، أو ضغط ما بعد الصدمة، وهذا الاضطراب تبدأ أعراضه بعد شهر أو شهرين من الإصابة، فسيتأثر نفسية الشخص المصاب والذي خالط أقرباءه وتوفي بعض المخالطين، فيصبح بحاجة لجلسات دعم نفسي بشكل مكثف، لأنه تبادر لذهنه بأنه تسبب في قتل شخص عزيز فيصبح لديه ضغوط نفسية شديدة ومشاعر لوم ذات متكررة». وينوه التميمي: «هنا نؤكد أن دور الأخصائي النفسي لا يقل أهمية عن دور الممرض والطبيب فكل مقدم خدمة في هذه الفترة العصيبة له دور أساسي، والدور الأهم في كيفية التعامل مع القلق والضغط النفسي الناجم عن قبيل وأثناء أو بعد جائحة كورونا سواء للأشخاص الطبيعيين الذين لم يصابوا أو المصابين أو الذين تعافوا فهم بحاجة الإسعافات نفسية أولية، وبحاجة إلى إرشاد نفسي متخصص حتى يزول ابوس هذا الفيروس، الذي للأسف شل حركة العالم وأثر على كافة النواحي الاقتصادية والسياسية». ويتابع: «فهو بمثابة أزمة وكارثة حلت بالإنسانية وهذا يحتم علينا كأخصائيين أن نقدم الدعم النفسي لكل من يحتاجه من خلال المتاح حالية كوسائل الإعلام والإنترنت أو الفيديوهات والحرص أن تكون المعلومات المتقدمة متخصصة تبتعد عن بث الإشاعات والأقاويل التي للأسف تزيد من معدل القلق والخوف، والتي يفترض أننا الآن نحن بأمس الحاجة لأن تتمتع بالهدوء والصبر والتعامل بحرفية من خلال استشارة أهل الاختصاص في كيفية الوقاية من هذا الفيروس». ويبين التميمي: «ومن المعروف بأن الدعم النفسي جزء أساسي للإنسان وجزء أساسي من إشارات الصحة النفسية فهي مطلب وحاجة لكل إنسان، فلا صحة دون صحة نفسية والجانب الجسدي مرتبط ارتباطا وثيقا بالجانب النفسي وكذلك الاجتماعي، وبالطبع يحتم علينا كأخصائيين أن نقدم كل الدعم النفسي اللازم لكل من يحتاجه في هذه المرحلة العصيبة .