كتب المُحرّر السياسي:

تتسارع الأحداث الدراماتيكية على نحو غير مسبوق في لبنان, وبما يُنذِر بمزيد من الأزمات والاحتقانات المُتدحرِجة, التي قد تأخذ البلاد الى المجهول وبالتأكيد حتمية الذهاب الى الفوضى وربما الانزلاق الى حرب اهلية... مقدمة لإنهيار مؤكّد, إذا لم يتم تدارك بعض القضايا والملفّات الجوهرية, قبل أن تبدأ مرحلة الدخول الى نفق زوال الكيان اللبناني نفسه. حيث لا يتوّرع كثيرون عن التحذير من هذا المصير, بل ثمة مَن يستبطِن الشماتة في بلاد كانت تندرج ذات يوم في خانة الدول المُرشحة لأن تكون سويسرا الشرق العربي، لكن » الصيغة » التي قام عليها لبنان في العام 1943... وضعته في أعلى المخاطر المحدقة ببقائه, كونها استندت الى ميثاق اعتمد المحاصصة الطائفية والمذهبية, لجمع فسيفساء طوائفه التي وصلت الى «17» طائفة, ومعظم تلك الطوائف تخضع لانقسام مذهبي يزيد من عمق الخلافات داخل الطائفة الواحدة نفسها, ما بالك ذلك العدد الكبير من الطوائف التي يتقدّم فيها منطق الخلافات والصراعات على اقتسام كعكة الحكم على منطق التوافق والعمل المشترك بالحد الأدنى, اللازم لتسيير أمور دولة يعتمد اقتصادها الريعي على قطاعات الخدمات والسياحة والمصارف وليس ثمة قاعدة صناعية أو زراعية أو تكنولوجية أو كثافة سكانية, تسمح له بتنويع مصادر ثروته ومدخولات خزينة الدولة, باستثناء ما يبعثه المغتربون اللبنانيون لذويهم في الداخل اللبناني, ما يُسهم بشكل أو آخر في دفع عجلة بعض القطاعات كالإسكان والتعليم والخدمات الأساسية والبنى التحتية.

حال الاستقطاب الحاد وصلت ذروتها بعد قرار رئيس الجمهورية تأجيل الاستشارات النيابية المُلزمة لتسمية مرشح «سُنّي» لرئاسة الحكومة الى الخميس المقبل, بعد أن كانت مقرّرة الخميس الماضي (15/10) ما أثار ردود أفعال غاضبة وأخرى رافضة وثالثة شاجبة, كون أغلبية برلمانية كانت متوفرة لتسمية رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري, رغم اعلان أكبر كتلتين برلمانيتين مسيحيتين هما كتلة «لبنان القوي» برئاسة جبران باسيل صهر الرئيس عون, وكتلة «الجمهورية القوية» (حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع)..

واذ راهن البعض على إمكانية تراجُع الحريري واعلان سحب اسمه كمرشح للحكومة العتيدة, التي قال انها ستلتزم المبادرة الفرنسية بحذافيرها, وخصوصاً لجهة تنفيذ برنامج اصلاحي في مهلة ستة أشهر, وان تكون حكومة اختصاصيين ليس فيها ممثلون للأحزاب أو شخصيات حزبية، فإن ما رشحَ يفيد ان الحريري «صامد» وهو في انتظار الخميس المُقبل ليبني على الشيء مقتضاه...

يأتي في المرتبة الثانية وإن ليس أقل صخباً أو فرصة لمزيد من الاستقطاب, ملف المفاوضات على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل بوساطة أميركية, إذ بدأت الأربعاء الماضي وانتهت بعد ساعة من افتتاحٍ بروتوكولي للجلسة الأولى, على ان تعقد الجولة الثانية في مقر قوات الأمم المتحدة «اليونيفيل» في بلدة الناقورة اللبنانية يوم 28 الجاري، وهو ملف أثار جدلاً واسعاً لم ينته بعد ولا يبدو انه سينتهي في القريب, خصوصاً بعد اعلان الثنائي الشيعي حركة أمل وحزب الله, في بيان مُشترك فجر الأربعاء الماضي وقبل ساعات معدودات من افتتاح الجلسة الأولى، انهما يعارضان ويرفضان تشكيلة الوفد اللبناني المُفاوض, الذي قام رئيس الجمهورية بتسميته مُخالِفاً «اتفاق الإطار» الذي توصل اليه رئيس البرلمان نبيه بري, الممسك بالملف قبل تحويله الى رئيس الجمهورية. والذي ينص على ان يكون الوفد اللبناني المفاوِض «عسكرياً» بمعنى ان لا يُشارك فيه اي مدني, حتى لا تطغى المسائل السياسية على البُعد «التقني» لترسيم الحدود. وهو ما لم يُصغِ اليه رئيس الجمهورية الذي تعرّض أيضاً لإنتقاد لاذع من قِبل رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب, كون المادة «52» من الدستور لا تسمح لرئيس الجمهورية بتسمية وفود, مهمتها التوصل لإتفاقيات مع دول خارجية الاّ بالاشتراك مع رئيس الحكومة. ما خلق أجواء من الريبة وبروز اجتهادات بأن مفاوضات ترسيم الحدود مع اسرائيل تفتقِر الى غطاء شيعي وآخر سُنِيّ ما ينزع عنها «الميثاقية»...

من هنا وإذ اكتمل عام كامل على احتجاجات السابع عشر من تشرين الأول 2019 (صادف يوم أمس الذكرى الأولى)، وتراجُع الزخم الشعبي الغاضب الذي أظهره اللبنانيون في ساحات وميادين لبنان, شماله والجنوب وخصوصاً بيروت وطرابلس وصيدا, احتجاجاً على ارتكابات النخبة السياسية والحزبية الفاسدة, التي هيمنت على المشهد اللبناني منذ انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف في العام 1989 كما ارتفعت في الميادين نداءات تطالب بإقصاء ومحاسبة هذه النخبة تحت شعار «كُلّن يعني كُلّن", خصوصاً افتقار هذه الإحتجاجات الى قيادة موحدة ترفع مطالب مُحدّدة وتُؤسس لحراك مستمر بشعارات مقبولة من الجميع وقابلة للتطبيق, فإن الآفة الطائفية والمذهبية التي ضربت لبنان منذ استقلاله قبل أكثر من سبعة عقود (1943) أصابت الاحتجاجات نفسها التي خضعت لانقسامات طائفية ومذهبية, وغدت الإتهامات بين أطرافها بالعمالة للسفارات والمُمولين, مادة دسمة للتراشق بين الذين جمعهم الغضب وفرقتهم الأهداف والمصالح الجهوية والطائفية والمذهبية، ما أضعف الإحتجاجات ودفع النخبة السياسية الى الاطمئنان بأن الشارع لن يطيحها, وما عليها سوى الظهور بشعارات جديدة وإعلان التمسّك ولو ظاهرياً بالمبادرة الفرنسية, علّها تُنقذ ما يمكن إنقاذه, في بلد مُنهك ومَدين يقترب من إعلان إفلاسه.