أ.د. كميل موسى فرام

الحرب الوبائية المستعرة التي بطلها فيروس كورونا المستجد والتي تضرب الأبجديات الصحية منذ بداية هذا العام، دون هدنة لنهاية متوقعة أو مبرمجة، بالرغم أننا نعلق الآمال على شماعة البحث العلمي ووعي المواطن، فالجائحة ساعدت بتدمير اقتصاديات الدول، وزادت مساحة الفقر والبطالة، وأنهكت المنظومة الصحية للدول لتدخلها بمرحلة العجز، وتنذر بمرحلة أقسى مستقبلية، دون وجود دليل علمي فعلي على وجود علاج شاف أو لقاح يمنح المناعة ضد الاصابة بالمرض، بالرغم من الجهود العلمية المتواصلة لتطويق المرض ومحاصرته، بالرغم من تعدد الاعتبارات التي تحكمها، ناهيك أن هناك توائما غريبا يربط الصحة والسياسة والاقتصاد بين الدول المتحكمة وصانعة القرار، إضافة لاعتباره مادة دعائية بالبرامج الانتخابية، ولكن الأمل معقود على جهود المختبرات العلمية لعلماء العصر بتسجيل علاج ولقاح بأقرب فرصة، خطوة أولى بالنصر للشفاء المنتظر، ولمواجهة هذا الوباء العالمي تمهيدا لخطوة الانتصار، يجب أن ننظر إلى المعرفة القوية التي نمتلكها من سنوات الخبرة في مجال الأمراض المعدية والوعد بتقنيات جديدة ومبتكرة.

كانت هذه المقدمة ضرورية لمحتوى النصيحة التي أحملها لكل منا على مساحة الوطن، بهدف المحافظة على صحته وبعيدا عن أتون المعاناة والخوف الذي يسيطر على خطواتنا الحياتية، فعلينا أن ندرك أبجديات وحقائق ذات قيمة مضافة لواقعنا، وكانت المحتوى لمحاور التشويش في الفترة الماضية، وعبارات تتداول لتخلط الأمور وتقذفنا ببحر التشكيك، وللتذكير، فالفيروس المستجد هو فيروس طبيعي وغير مصنع، لم يؤخذ على محمل الخطورة المستحقة بالبداية لأسباب سياسية وصرعات بين الكبار، ولكنه انتشر بسرعة غريبة، ودخل الحدود دون استئذان؛ سجن سكان البشرية في منازلهم، أوقف اسطول النقل والطيران بمدرجاته، جمّد الاقتصاد والسيولة المالية، اثّر على منظومة الأمن الغذائي فزاد من نسبة الفقر والمجاعة، ساعد بنسبة البطالة وتسريح العمالة، ضاعف من نسبة التضخم وزيادة الأسعار، أرهق النظام الصحي العالمي الذي بدا عاجزا حتى الساعة من التعامل معه بسبب سلوكه الغريب غير المأمون لسرعة التحورات الجينية على خريطته التكوينية بتحدٍ يلامس درجات المعجزة ولكنه غير مستحيل، أوقف النشاطات الاجتماعية والثقافية والكروية، وحجّم المهارات والمواهب.

هنا علينا الابتعاد عن محتوى فكرة التشكيك بوجود الوباء، فذلك شكل من أشكال الانتحار الذاتي والجماعي، فما نشاهده على أرض الواقع يبعث على القلق لزيادة مضطردة وغير متوقعة بأعداد الاصابات المحلية والعالمية ضمن موجة وبائية جديدة، وعلينا أن ندرك أهمية زيادة عدد الفحوصات اليومية والتي ساعدت بزيادة اكتشاف الحالات، فذلك أمر ايجابي للحد من فرص الانتشار المجتمعي أو التشخيص المتأخر نسبيا بمرحلة المضاعفات الصحية التي لا ترحم؛ فهناك فشل رئوي، فشل بوظائف الكلى والكبد، وفشل بمنظومة شبكة الأوعية الدموية بتخثرات تمنع أو تقلص الانسياب للدم، ويجب أن نعلم بمحدودية قدرة نظامنا الصحي لحمل أعباء المرض حتى لو تفرغ اليه بشكل كامل، وعلينا الحذر من تسويق وصفات الأوهام العلاجية التي احتلت مساحة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حتى لا نصل لمرحلة تصديقها وضرورة محاربتها ووأدها أو نغرق بمستنقع الجهل والتخلف بثوب العواطف والانجاز.

علينا جميعا دور محوري ورئيسي بالعلاج للوقاية من الآثار المدمرة لهذا الوباء، فالتغيرات المطلوبة بعاداتنا الاجتماعية المتعددة وسلوكياتنا الشخصية، قد أصبحت فرضا وليست خياراً للتعامل، وهي فرصة ربانية بحكمته لمراجعة كتيب العادات التي أرهقتنا اليوم، فنحن جزء من العالم ولا يمكننا الانفصال عنه، والوباء يعطينا الفرصة بعفوية لتحسين وتجويد ممارسات ترهق اقتصادياتنا وصحتنا وموازنتنا، بعد أن أصبحت حجرا يعيق المسيرة ويسبب شرخا بالعلاقات الأسرية، ولمواجهة هذا الوباء العالمي، يجب أن ننظر إلى كل من المعرفة القوية لدينا عبر استعراض لسنوات من الخبرة في مجال الأمراض المعدية ووعد بجديد ومبتكر، لأن النتائج الإيجابية بمحاربة الوباء عبر تحالف عالمي نمثل جزءا شريكا منه، سينعكس على قدرتنا بدفع عجلة التقدم، وهو شيء آخر وعلامة فارقة في التنمية وقد تساعد بتقليص حالات الإصابة وتوفير لقاح محتمل آمن وفعال ضد الوباء ليمنح مناعة دائمة.

التكاتف الوطني والمجتمعي خطوة مهمة لتحقيق الأمن الداخلي، فالعمل ضمن محطات الاختصاص يجعلنا نسلك طريقا صحيحا للتعافي، ونحن على دراية ووعي بجهود تبذل على مدار الساعة في الدول المتقدمة بسباق محموم بهدف التطوير السريع للقاحات والعلاجات الفعالة لمواجهة الجائحة الفيروسية كوفيد 19، وهناك شمس أمل ستشرق قريبا على كوكبنا تحمل الينا الأخبار العلمية المبشرة، فتلك الأمور

لا تزال تمثل حاجة ملحة للصحة العامة العالمية، وبقدرتنا على التكيف المجتمعي التي فرضها الواقع، يمكننا عبور مأساة المرض بأقل الخسائر البشرية والمادية، بل وهناك ضرورة ملحة بفلترة وتحجيم التصريحات المتناقضة للتعامل مع الوباء، فمنها ما يعتمد على اجتهادات شخصية أو وجهة نظر، ولكنها مؤثرة ضمن الفضاء الاعلامي، فالطبيعة البشرية تحتكر الحقيقة وتكرهها أحيانا وتميل للحلول الجاذبة على حساب الأبجديات، فالوباء الفيروسي؛ حديث المجالس وهموم الدول ولغز بأسرار متعددة بطريقه للكشف، واقع يدعونا للتفاؤل الحذر بخيوط المستقبل لنحيك سترة الأمان وللحديث بقية.