د. محمد حسان الذنيبات اخصائي زراعة الكلى

ممّا قرأته لأحد المؤرِّخين الطبيِّين، أنَّه من العجيب أنَّ أوَّل كتاب يعرض تاريخ الأنفلونزا الإسبانيَّة التي ضربت العالم عام 1918 وقتلت ما لا يقلّ عن 60 مليون إنسان في الحدِّ الأدنى ظهر في أوَّل سبعينيات القرن الماضي، وهذا أمر ليس له تفسير رغم أنَّ تأثير ذلك الوباء امتدَّ طويلاً وعميقاً في كثير من القضايا.

فبينما كانت الحرب العالميَّة الأولى تضع أوزارها جاء هذا الوباء الأكبر في التاريخ الحديث والذي وصف لاحقا بـ(أمّ الجوائح) وأخبرني زميلي من المملكة العربيَّة السعوديَّة، أنَّهم كانوا يسمُّون تلك السنة محليّا بسنة الرحمة بسبب الإكثار من قول (الله يرحمه) دون معرفة السبب.

هذا الوباء كان من مصائبه أنَّه يميت من يقل عمرهم عن 45 سنة على غير المعتاد في مثل هذه الالتهابات والسبب هنا عائد لتعرّض كبار السن إلى وباء سابق بعدَّة عقود عرف بالانفلونزا الروسيَّة الأمر الذي جعل أجسامهم أكثر مناعة لهذه السلالة الجديدة من الأنفلونزا. وسبب تسميته بالانفلونزا الإسبانيَّة غريب بعض الشيء، وهو أنَّ الإعلام الإسباني لتخفّفه من نقل أخبار الحرب العالميَّة وقتها اهتمّ بنقل أخبار الوباء حتى أطلق على هذا الوباء بـ (الوافدة الإسبانيوليَّة)، والمفارقة أنَّ الإعلام الإسباني كان يسمِّيها (الإنفلونزا الفرنسيَّة) واليوم يبدو الرئيس ترامب الأكثر حرصا على دخول التاريخ -فهو الوحيد في العالم- الذي يسمِّي الفيروس الحالي بالفيروس الصيني.

عموما تأثيرات الأوبئة كثيرة وعميقة وتحتاج إلى دراسات مفصَّلة فالقضيَّة النسويَّة مثلا والتي ترجعها الناشطات غالبا إلى مسألة النضال والتضحية تغفل عادة العام 1919 الذي أعطيت فيه المرأة الأميركيَّة الحقّ بالتصويت وهو تقريبا العام نفسه الذي ازدحمت فيه الأسواق المحليَّة في أوروبا بالنساء العاملات حتى وصلت نسبتهن كما تقول إحدى الإحصاءات إلى أكثر من 25% بعد فقدان نسبة كبيرة من الشباب العاملين بسبب الجائحة التي كانت تقتل صغار السن وغالبا من الذكور.

وعلى إثر الجائحة أيضا استحدثت وزارات للصحة في الكثير من الدول وكان الوباء سبباً في أن هذه الدول طوَّرت أنظمتها الصحيَّة لتشمل جميع المواطنين بعد أن كانت في أغلبها بدائيَّة، و عالميا تشكَّلت على إثر ذلك منظَّمة الصحَّة التي تطوَّرت لاحقا لتصبح منظَّمة الصحَّة العالميَّة المعروفة اليوم، وكذلك يذكر روّاد الرعاية الاجتماعيَّة أنَّ الإنفلونزا الإسبانيَّة بذرت بذرتها الأولى جنباً إلى جنب مع الحرب في نشوء برامج الرعاية الاجتماعيَّة.

وفي المجالات الوطنيَّة كانت لها آثار مهمَّة أيضا؛ فالهند مثلا كانت واقعة تحت الحكم الإنجليزي، وكانت الوفيّات فيها من أعلى النسب في العالم، وهو ما أشعل شرارة نضال الزعيم المهاتما غاندي ضدّ المستعمرين نتيجة ضعفهم وتقصيرهم في إدارة هذا الملف الذي كلَّف الهند خسائر كبيرة في الأرواح تصل إلى 18 مليون إنسان.

ومما يقال إنَّ الجائحة كانت أوَّل ظهور للمعارضات الوطنيَّة في أوروبا، حيث كانت الحرب تسكتها فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، إلا أنَّ الجائحة مهَّدت لعلو هذه الأصوات المتمرِّدة على هيمنة الحكومات، ولكنها للأسف كانت ذات آثار سلبيَّة في بدايتها؛ لأنّها جاءت في الوقت الخاطئ فحينما فرضت الحكومات لبس الكمامة على المواطنين قام الكثير من النشطاء بالدعوة للبسها بطريقة خاطئة (عمدا) في تحدٍّ للقرار الرسمي وتمرَّد على محاولة فرضها بالقوَّة، وكان ذلك سببا في زيادة الانتشار وظهور موجة ثانية أشدّ فتكاً من الأولى.

ويبدو أنَّ الأوبئة تؤثِّر عميقا في سوق العمل فتعزِّز مهنا على حساب مهنٍ أخرى، وبعض الدارسين يذكر أنَّ أصعب المهن في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة خلال تلك الأعوام كانت مهنة حفّاري القبور وصانعي النعوش، وكانت أزمة حقيقيَّة في توفير الأخشاب لصناعتها حتى فرضت الحكومة في بعض الولايات الأمريكيَّة مقاسات ثابتة للصناديق التي يوضع فيها الموتى ومنعت الفنانين من رسم الزخارف والنقوش عليها.

ومن الطريف أنَّ بعض الدراسات، قالت إنَّ الأطفال الذين ولدوا في ذلك العام كانوا أقصر في المعدَّل من الأطفال الذين ولدوا قبلهم وبعدهم، وكانوا أكثر عرضة لأمراض القلب فيما بعد، بل حتى فرصهم في إتمام دراساتهم العليا تأثَّرت لسببٍ أو لآخر.