أبواب - زياد عساف

«إبنها بيبكي وراحت تسكِّت ابن الجيران »، هكذا علَّق أحدهم مستهجناً ممن ينادون بالترويج لفن الأوبرا الغربي الجذور في وقت باتت تقترب موسيقانا العربية من مرحلة الإنحدار وهي الأوْلى بالإهتمام والرعاية بدلاً من التماهي مع حالة التغريب التي يمثلها هذا النوع من الفنون وهو أبعد ما يكون عن هويتنا الثقافية وتراثتا الغنائي الذي تربينا عليه.

وعلى الجانب الاّخر هناك أصوات لا زالت تطالب بعدم الحجر على أذواق الناس بحجة أن لهذا الفن مريدوه في بلادنا، وفي جميع الأحوال ظل هذا الفن غريباً بالنسبة لنا ولسنوات عديدة ولم يلق الصدى الكافي عربياً رغم محاولات عديدة بترسيخه ضمن النشاطات الفنية اليومية كسائر الفنون الأخرى.

سوبرانو..

باستعراض كل الوان الفنون يبقى فن الأوبرا هو الأصعب فنحن أمام عمل درامي غنائي يشمل التأليف الموسيقى والتمثيل ورقص الباليه والديكور والأزياء والإضاءة بالإضافة للفن التشكيلي والقصة والشعر، وفوق كل ذلك الصوت الأوبرالي الذي يتميز بتعدد تردداته وطبقاته ويتطلب من المؤدي القدرة على الإنتقال بالغناء من مستويات الصوت المنخفضة حتى أعلى مستوى ممكن أن يصل إليه ويُعرف ب (السبرانو).

غربة..

في تصريح لإحدى وسائل الإعلام يشير الفنان والمايسترو سليم سحاب إن عدم تجاوب الجمهور العربي مع الأوبرا وفنونها حالة طبيعية لأن كل شعب مرتبط بالتراث الموسيقي النابع من البيئة الثقافية التي ينتمي إليها، ومن الطبيعي أن يشعر بعدم الإنسجام مع الفنون التي هي أبعد ماتكون عن هذه البيئة، ومن هنا يقودنا سحاب لحالة الغربة والإستغراب التي تمثلت برد فعل الجمهور العربي لدرجة وصفه لما يشاهده أو يسمعه بالصراخ أو (الشخط والنطْر)، و هو ما اتفق عليه معظم المشاهدين العرب ممن فكروا بحضور هذا النوع من العروض أو قادتهم الصدفة لذلك يوماً ما، ويكون رد الفعل الأولي حالة من السخرية والضحك الأقرب للهستيريا وهم يستمعون للمغني بصوته الصاخب، وتردداته الصوتية العالية حيناً والمنخفضة حيناً أخرى عدا عن انفعالاته المبهمة بالنسبة لهم، بالإضافة لذلك يجمع الأغلبية على أنه فن نخبوي رواده من الطبقات الأرستقراطية ممن تأثروا بالثقافة الغربية أو عاشوا ودرسوا في بلاد الغرب.

عقبات..

رغم قدم هذا الفن الذي تأسس في إيطاليا عام 1600 ميلادي، إلا أنه لم يدخل البلاد العربية حتى عام 1869 مع تأسيس دار الأوبرا المصرية الخديوية كأول دار في الوطن العربي احتفالاً بافتتاح قناة السويس، وعلى مسرحها عُرِضت أوبرا عايدة عام 1871 للموسيقار الإيطالي فيردي.

عقبات كثيرة حالت دون انتشار الغناء الأوبرالي في المنطقة العربية عموماً ولا يتوقف عند كونه فناً غربياً غير مألوف كما سبق، فمن هذه الإشكاليات المانعة تراجع المسرح الغنائي أمام السينما باعتباره المكان الأنسب لازدهار هذا الفن واعتماده في أغلب عروضه على أصحاب الأصوات الأوبرالية ما أفقد الكثير من الفرص باكتشاف مثل هذه الأصوات المؤهلة لخوض غمار هذا اللون من الغناء.

ذائقة أوبرالية..

ندرة مسارح الأوبرا في البلاد العربية حالت أيضاً من تنمية الذائقة الأوبرالية عبر هذه النوعية من العروض سواء كانت محلية أو حتى من استضافة فِرَقْ أجنبية متخصصة لعدم توفر المكان الذي يتطلب مواصفات خاصة تحتاج لإمكانيات غير متوفرة حتماً في المنطقة العربية، ومن الإشكاليات الأخرى اعتماد الغناء الأوبرالي الغربي على الكلمات التي يرددها المؤدي الأجنبي بلغة بلاده وبألفاظ غير مألوفة أو مفهومة ولا يعرف المستمع العربي معناها بطبيعة الحال.

لفترات طويلة لم يُدرَّس هذا الفن ضمن مناهج معاهد وكليات الموسيقى العربية وهذا سبب جوهري يضاف للمعوقات المانعة لرواج الأوبرا وفنونها، وحتى مع هذا الإزدحام الفضائي لازالت وسائل الإعلام المرئي والمسموع مقصرة في هذا المجال من حيث تقديم البرامج والأعمال المسرحية المتعلقة بهذا الجانب.

أصوات عربية..

ويبقى السؤال عن مدى مساهمة السينما العربية في ترويج الغناء الأوبرالي؟ تستدعي الإجابة هنا باسترجاع الأعمال السينمائية التي اجتهدت بتوظيف هذا الفن لنكتشف أن النتائج كانت مخيِّبة للاّمال، يتضح ذلك عبر توظيفه الساذج لأصحاب الأصوات الأوبرالية ضمن سياق أحداث الفيلم،تأكيداً على ذلك نستعرض هنا تجربتين لفنانين عربيين هما: محمد البكار وحسن كامي.

الفنان محمد البكار (1909-1959) واحد من الأصوات الأوبرالية الشهيرة في الوطن العربي جاء من موطنه لبنان في الأربعينيات ليتابع مشواره الفني في مصر،ولم يحضر إليها هاوياً وإنما يحمل إرثاً من الشهرة في بلده نظراً للأعمال الأوبرالية التي قدمها على مسارح بيروت، عدا عن ما يتمتع به من مواهب أخرى مثل الغناء الشرقي والتلحين والتمثيل وشارك بمجموعة من الأفلام المصرية مع نجوم الغناء والتمثيل منذ فترة الأربعينيات وحتى أوائل الخمسينيات، ومن هذه الأعمال: ليلى بنت الفقراء، أحكام العرب، أسمر وجميل، خدعني أبي وحكم الزمان.

فرص ضائعة..

أخفق المخرجون باستثمار صوته الأوبرالي بالطريقة الصحيحة وحصروه بدور العاشق المخدوع بأغلب هذه الأعمال، وظهر بالعديد من المشاهد وهو يُطْلِقْ أصواتاً بترددات مختلفة بحكم خبرته كأوبرالي عريق ولكن بطريقة ساخرة ومزعجة بعيدة كل البعد عن السياق الدرامي لإضحاك الجمهور ليس اكثر إلا أن كل ذلك ساهم بترسيخ الصورة الهزلية المرسومة في ذهن المشاهد عن الغناء الأوبرالي وجاءت السينما لتؤكدها هنا، وبالتالي لم تستثمر السينما صوت البكار بالطريقة الصحيحة كفرصة أو مدخل لتعويد الجمهور على هذا اللون من الفنون،لا بل لم يكن ذلك في حسبان السينما أيضاً، وفي النهاية دفع الإحباط البكار للهجرة إلى أمريكا وانقطعت أخباره نهائياً حتى إعلان وفاته عام 1959.

الفنان المصري الراحل حسن كامي (1936–2018) نموذج لفرصة أخرى ضائعة، فلقد عرفه الجمهور كممثل أكثر منه أوبرالي، وشارك بمجموعة من المسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والأفلام وتم حصره في دور الرجل الأرستقراطي سليل عائلات الباشوات ولم يتم استثمار قدراته وخبرته أيضاً التي شكَّلتها تجارب كثيرة بمشاركاته الواسعة في أهم دور الأوبرا في العالم حتى وصلت محصلة العروض الأوبرالية التي قدمها ل (660) عرضاً وفي دول متفرقة منها: إيطاليا وفرنسا وروسيا وأمريكا وكوريا والدنمارك واليابان وحصوله على جوائز عالمية عديدة.

كونشرتو في درب السعادة..

وكما حصل مع البكار قدمت السينما حسن كامي ومن خلال فيلم (سمع هس) 1991 للمخرج شريف عرفة بشخصية غندور الذي يسرق لحناً ل(حمص وحلاوة) ممدوح عبد العليم وليلى علوي وغيَّر في الكلمات والتوزيع الموسيقي، وأداه بأسلوب الغناء الأوبرالي وبطريقة أضحكت الجمهور أيضاً لنجد نفسنا أمام حالة أخرى عادت لتؤكد الرؤية السينمائية التقليدية ذاتها بأن الأوبرا والسخرية وجهان لعملة واحدة.

وبفيلم كونشرتو (درب السعادة) إنتاج 1998 ظهر حسن كامي في دور مايسترو في دار الأوبرا المصرية، وجاء هذا الدور ثانوياً للأسف ليخدم الفكرة الأساسية للفيلم وترمي لخلق حالة من التواصل بين ثقافتين مختلفتين عبر شخصية عزوز (صلاح السعدني) الموظف في دار الأوبرا المصرية ويعيش مع زوجته بغرفة واحدة في حي درب السعادة الشعبي في أجواء من البؤس والفقر، ويوكل إليه المايسترو بمرافقة عازفة الكمان سونيا المنشاوي (نجلاء فتحي) المصرية المغتربة القادمة من باريس للمشاركة في حفل كونشرتو للكمان مع أوركسترا القاهرة السيمفوني، ومن خلال مرافقة عزوز لها يهيم بها حباً ويبدأ في الإستمتاع بالموسيقى ويستمع لها بشغف وهي تعزف المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية والتي لم يكن يألفها رغم عمله في دار الأوبرا لسنوات ما يحدث إنقلاباً في سلوكه ونظرته للأمور خاصة عندما يدخل في مقارنة بين زوجته (سلوى خطاب) المغرمة في زيارة مقامات ألاولياء وبين الفنانة سونيا التي تحمل جذور الثقافة الغربية.

أوبرا عربية..

ويبقى الحلم الأكبر يداعب رواد هذا الفن بتأسيس أوبرا عربية وقد بدأت ملامح هذا الحلم تتحقق بإقامة دور أوبرا في أكثر من بلد عربي، فبعد دار الأوبرا في القاهرة والإسكندرية، نرى الاّن على أرض الواقع أوبرا دمشق ودار الأوبرا السلطانية في مسقط، دار دبي للأوبرا، دار أوبرا الكويت وأوبرا الجزائر، وفي الأردن ورغم تأخر ظهور مشروع دار الأوبرا الأردنية للنور إلا أنه وفي تجربة الأولى من نوعها في العالم العربي تم التأسيس ل(مهرجان عمان الأوبرالي) الذي أطفأ شمعته الثالثة في تشرين أول 2019، وتخلله عرض أوبرا (حلاق إشبيلة) وقامت بدور البطولة السوبرانو الأردنية العالمية زينة برهوم.

تمازج..

تأسيس دور أوبرا عربية ورغم أهمية هذه النوعية من المشاريع إلا أنها غير كافية لتحقيق الهدف الأسمى بوجود أوبرا عربية تحمل خصوصية هويتنا الثقافية، ويبقى المدخل الرئيسي لتحقيق ذلك بالدمج المدروس ما بين الموسيقى الشرقية والأوبرا الغربية، وشيء من هذا القبيل قد سبق وتحقق نوعاً ما من خلال الأصوات الأوبرالية التي تميَّز بها بعض نجوم الغناء العربي من الزمن الجميل، ومن الأمثلة على ذلك المطربة المصرية شهرزاد والتي تعتبر من مدرسة الطرب الأصيل، وفي الوقت نفسه بدأت مسيرتها الغنائية من دار الأوبرا المصرية واكتسبت خصوصية الصوت الأوبرالي وتنوع تردداته الصوتية ما أهلها اكتساب ميِّزة الإرتجال في الغناء، ونلمس ذلك في أغنية (عسل وسكر) وهي تتنقل بين المقامات الموسيقية بغاية الروعة والإبداع، الفنانة ماجدة الرومي يتضح أداءها الأوبرالي في العديد من أعمالها والإستماع لأغانيها بفيلم (عودة الإبن الضال) 1976 يؤكد ذلك وهي تشدو بأغنيات: مفترق طرق والشارع لنا وباي باي، وهذا ماينطبق على عفاف راضي والتي كان يطمح الرئيس عبد الناصر بأن تكون نموذجاً موازياً للمطربة فيروز كونها تنتمي لنفس المدرسة الغنائية الأوبرالية.

يا نسيم الريح..

وتبقى المطربة فيروز صاحبة صوت أوبرالي بامتياز بالإضافة لتعمقها في تجويد القراّن الكريم الذي أكسبها التنوع في تعددية الأصوات والمقامات الموسيقية الشرقية أيضاً، هاتين الخاصيتين أي الصوت الأوبرالي والتجويد ساهمتا بتميزها في تشكيل حالة نادرة من التمازج ما بين الموسيقى العربية والأوبرا الغربية وهذا ما تجلى في مجمل أعمالها.

وعلى خطى فيروز سارت اللبنانية د. هبة قواس المؤلفة الموسيقية والمغنية الأوبرالية وغايتها تحقيق هذا التوازن الغنائي المنشود موظفة معرفتها بالتجويد القراّني والإنشاد الديني مع موهبتها في الغناء الأوبرالي، وراحت تجمع مابين الموسيقى الشرقية وتقنيات الموسيقى الغربية،وهذا ما نلمسه في أعمالها الغنائية الجميلة مثل: أغنيك حبيبي، أشممت عطري، المواعيد، بكيف تودعني، بين نهرين، تشكو ظلام الليل، تكونني وأكونك، عرفت بيروت، لأني أحيا، ومن التراث الغنائي العربي استعادت برؤيتها الأوبرالية مجموعة أعمال ومنها: يا نسيم الريح ولما بدا يتثنى.

عنتر وعبلة..

في الأونة الأخيرة بدأنا نلحظ أعمالاً مسرحية أوبرالية باللغة العربية ومن صميم التراث العربي أيضاً، وهذا بدوره خطوة أخرى نحو الوصول لأوبرا عربية مستقبلاً، ومن هذه الإنجازات التعاون ما بين أوبرا لبنان والأوبرا المصرية بتقديم قصة(عنتر وعبلة) وفي أكثر من بلد عربي، ومن المغرب العربي لازالت السوبرانو سميرة القادري تتابع تحقيق حلمها بتأسيس أوبرا عربية من خلال مشروع استعادة روح الأندلس وأداء نصوص من الشعر العربي لنزار قباني وجبران خليل جبران.

بنت أم أنور..

تحويل مجموعة من الأعمال الأدبية الى مسرحيات أوبرالية إنجاز عربي اّخرنحو الهدف المنشود، ويحسب للمايسترو المصري شريف محيي الدين بتقديمه وفي قالب أوبرالي روايتي السقا مات ليوسف السباعي وميرامار لنجيب محفوظ.

ولم تتوقف هذه النوعية من العروض على اللغة الفصحى، الدكتور رشيد البغلي من الكويت كان من السبَّاقين لذلك بإنجازه لعرض (أوبرا ديرة) باللهجة الكويتية.

هي أحلام مشروعة في النهاية، وتأسيس أوبرا عربية كان حلماً سبق وتمناه يوما ما الشاعر الغنائي صلاح جاهين بأن يرى في كل قرية في بلده دار أوبرا، وعبَّر عن ذلك في واحدة من أشعاره في الستينييات :

«بنت أم أنور بترقص باليه (بحيرة البجع).. سلام يا جدع

سلام ع الخطاوي اللي بتمر ع الكون تداوي

سلام ع الغناوي.. سلام ع النسيم في الشجر !» .