وصول فاتو بانسودا المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إلى الخرطوم, يُشكّل حدثاً في حدّ ذاته, خاصة أنّه جاء في توقيت حرج يعيشه السودان على أكثر من صعيدٍ, وتحديدا الضغوط/التهديدات الأميركية التي "مًنحته" 24 ساعة للتطبيع مع إسرائيل مقابل رفع اسمه عن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، فضلاً عن متاعبه الاقتصادية وبروز مؤشرات على تواصُل الخلاف بين المجلس العسكري وقوى الحريّة والتغيير, إضافة إلى المشكلات الأفقية والعامودية المتراكمة على جدول أعمال حكومة عبد الله حمدوك, والتي تُسهم ضمن أمور أخرى في تعقيد مهمته كسلطة انتقالية, لم تنجح حتى الآن في شقّ طريق يؤسس لسودان جديد, خلال المرحلة الانتقالية التي حدّدها برنامج "التوافق" بين المدنيين والعسكريين، ما أفضى -ولو مؤقتاً- إلى تهدئة المخاوف من احتمال إستئثار العسكر بالسلطة, ودفع "المدنيين" بالتالي إلى الشارع مرة أخرى, أو الانكفاء وتكرار تجربة الثنائي عمر البشير وحسن الترابي. كتجربة مُدمّرة أوصلَت السودان وشعبه إلى ما هو عليه الآن.

إصرار الجنائية الدولية على "تسليم" المتّهمين الذين صدرَت بحقّهم مذكرات توقيف من المحكمة, وعلى رأسهم الرئيس المعزول عمر البشير بما هو المسؤول الأول عن جرائم الحرب في دارفور، يعكس طبيعة وحجم الرغبة لدى هذه المحكمة في تحقيق أيّ إنجاز يُذكَر, على صعيد مُعاقبة المسؤولين على جرائم حرب، وارتكابات فظيعة كالتطهير العِرقي، والإبادة الجماعية التي لم تتوقف في العالم، ما وضع المحكمة في وضع لا تُحسد عليه, بعد اقتصار عملها على "ملفات" لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة, بل وربما ما حدث في يوغسلافيا السابقة (كوسوفو)، هو الملف الوحيد الذي تمّ فيه التأكيد على عدم السماح لأي مرتكب بالإفلات من العقاب، رغم ما شابه من نوازع سياسية وضغوط أميركية, أسهمت في جلب المتّهمين الذين قضى بعضهم في السجن أثناء محاكمته، وهو الرئيس الصِربي ميلوسيفتش.

يصعب نفي التسييس عمّا تقوم به المحكمة الدوليّة من إجراءات وما تتخذه من قرارات, وخضوعها خصوصًا لترهيب وحملات تشويه من قِبَل الرافضين لقيامِها بواجبها, بعيدًا عن التدخلات والضغوط كما هي في ارتكابات دولة العدوّ الصهيوني وجرائمهما في الأرض الفلسطينية المحتلّة, وتخاذل المحكمة أمام حملات واشنطن وتل أبيب الضارية، إلا أنّه صحيح أيضاً أن التلّطي خلف تلك الذريعة, للتغطية على جرائم ارتُكبَت وأخرى قد تُرتَكبْ, يندرج في إطار "شلّ" المحكمة عبر اتهامها بالانتقائية، وخصوصاً الدفاع عن الرئيس السوداني السابق ورهط المتّهمين بارتكاب جرائم في دارفور.

وإذ يتمسّك "بعض" المسؤولين السودانيين بمقولة إنّ المحاكم السودانية في عهده الجديد قادرة على محاكمة البشير وأعوانه، فإن بعضاً آخر وبخاصة الجماعات والتنظيمات المسلّحة في دارفور تدعو الحكومة الانتقالية إلى التزام "التوافقات" التي توصّلا إليها في شباط الماضي، وتقضى بمثول المطلوبين أمام الجنائية الدولية..

المسألة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، وما ستفسر عنه محادثات بانسودا سيكشف إن كان البشير سيُسلّم, أم أن المُتضرِّرين وبعضهم عسكر...سيرفضون؟.

kharroub@jpf.com.jo