مهم جدا ما فعلته مديرية الأمن العام عندما أعلنت عن تخصيص رقم للتبليغ عن قضايا البلطجة. وعن إطلاق حملات قوية مشتركة من البحث الجنائي ومكافحة المخدرات والدرك، لملاحقة" الزعران" وفارضي الاتاوات، في مناطق تواجدهم وضبطهم.

ومع إدراكنا بأن مثل تلك الحملات يفترض أن تكون نشاطا دائما، وبحيث لا يسمح لمثل تلك الفئات بالتواجد خارج أسوار السجون، ما دامت متمسكة بخروجها على القانون، فإننا لا نقلل من شأن ما تقوم به الأجهزة الأمنية من مهمات، وما يتعرض له أعضاؤها من أخطار نتيجة مواجهاتها مع الخارجين على القانون. ونشيد ـ بالتالي ـ بجهد الأجهزة الأمنية وكافة منتسبيها في حماية الوطن والمواطن.

ومن هنا، فإن أي حديث عن ممارسات يقوم بها خارجون على القانون، لا تعني تقصيرا من قبل الأجهزة الأمنية. وإنما نتيجة لعوامل متعددة، ذلك أن النظام الأمني لا يتعلق بجهاز الأمن فقط، وإنما بمنظومة متكاملة يلتقي فيها التشريعي مع المجتمعي، وتتشارك في صنعها عناصر متعددة، أقلها قوانين العفو العام التي وعلى الرغم من إيجابيتها السياسية والإنسانية، تعيد المجرمين إلى السوق لممارسة نشاطاتهم التي سجنوا بسببها.

في السياق، هناك تشريعات نافذة، تفرض الكثير من المحددات التي يستغلها أشخاص للخروج على القانون. من أبرزها ما يحدد صلاحيات الأجهزة الأمنية في الاحتفاظ بأصحاب السوابق وممارسي الأعمال الخارجة على القانون. وأخرى تحدد العقوبات التي تفرض عليهم من قبل القضاء. وغيرها نصوص واجراءات يمكن استخدامها للتخفيف من العقوبات في حال اتخذت من قبل الجناة أو ذويهم.

هذا في جانب، أما في جوانب أخرى، فهناك إشكالية أكثر عمقا، وأشد ضررا، يفترض أن تكون مستهدفة في هذا السياق. وهي عبارة عن إجراءات يحفظها المنحرفون عن ظهر قلب، ويستخدمونها في غالبية نشاطاتهم. وهي إجراءات تعلمها الأجهزة المختصة ولا تملك أن تعيرها أي اهتمام استنادا الى أنظمة أو تعليمات نافذة.

من أبرزها، الإصرار على توقيف طرفي القضية المعروضة على المركز الأمني إلى حين عرضهما على القضاء. فعند تقديم الشكوى من المتضرر، واستماع رجل الأمن إلى الطرفين يسألهما ـ مضطرا ـ عما إذا كان كل طرف ينوي تقديم شكوى بحق الآخر، فيكون الجواب بالإيجاب، فيرسلهما إلى النظارة. فيضطر صاحب الحق إلى التنازل عن حقه، والمصالحة مع الجاني للتخلص من المبيت في النظارة.

ومنها دخول الجاني إلى أحد المستشفيات الخاصة، أو الحصول على تقرير طبي بطريقة أو بأخرى، هروبا من" النظارة"، وكسبا للوقت، وضغطا على المجني عليه للتنازل عن حقه. وأحيانا يقوم الجاني بإيذاء نفسه والادعاء بأن الطرف الآخر هو من ضربه، ويتمسك بما يوصف بأنه" دعوى مقابل دعوى".

بالطبع هناك ممارسات كثيرة يصعب حصرها ضمن هذه العجالة، كان من الممكن حل جزء كبير منها بتغيير الإجراءات المعتمدة حاليا، وتحديد مدع عام، أو قاض، مناوب 24 ساعة، في كل مركز أمني تكون صلاحياته النظر في مثل تلك الشكاوى. وبحيث لا يضطر رجل الأمن إلى توقيف الطرفين، الجاني والمجني عليه. ولا يضطر المجني عليه للتنازل عن حقه خوفا من التوقيف في النظارة.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com