مع كل تشكيل حكومي جديد لا بد من تفاعل نخبوي يأخذ شكل التحليل والنقد والانتقاد وأحياناً الغمز من قدرات بعض الوزراء ومدى مواءمة المنصب مع الاختصاص.

كل ذلك مشروع واعتيادي اذ ليس من المعقول ان تتشكل حكومة ولا يبدي المهتمون بالشأن العام رأيهم فيها وتوقعاتهم منها، لكن غير المشروع الخلط بين العام والخاص والنبش والنهش في خصوصيات الآخرين ومنهم الوزراء ونشر مسائل هي صميم الحياة الشخصية لأي إنسان.

الحكومة الحالية ليست استثناءً فقد خضعت للنقد قبل أن تبدأ وكان التركيز على قضية العدد الكبير للوزراء (32 مع الرئيس) وهو عدد كبير فعلاً وعلى عدد وزراء الدولة غير المسبوق (5 وزراء) ما يشير إلى زحمة في الرئاسة قد تسبب اصطدامات أثناء الحركة وتعارض في الصلاحيات وفي الحالتين يحدث الضرر.

لكن ما يميز هذه الحكومة من وجهة نظري انها سياسية رئيساً واعضاء او معظمهم وهذا ما افتقدنا إليه منذ ما يقرب من عقدين واكثر، حيث تعاقب على ادارة الدولة أشخاص لا يعرفون حدود الوطن ولا حتى حدودهم فتجاوزوا على كل شيء، هؤلاء جعلونا حقولاً لاجراء التجارب ولا يهمهم بعد ذلك ان فشلت تجاربهم فالوطن بالنسبة اليهم ليس اكثر من ساحة يغادرونها الى ساحة اخرى بعد ان يجف الضرع.

في الأردن وعبر تاريخ الدولة السياسة تقود الاقتصاد وتقود أوجه الحياة كلها، لأن السياسي ينظر بشمولية تستهدف مصالح كل المواطنين لا مصلحة فئة معينة.

الحديث عن الحكومة السياسية يعني الحديث عن اشخاص الوزراء الذين اختارهم الدكتور بشر الخصاونة رئيس الوزراء لإدارة الشأن العام ومن هؤلاء الزميل والصديق محمد داودية الذي أوكلت إليه حقيبة الزراعة.

لسبب لا أعرفه كثيرون انتقدوا تولي محمد داودية هذه الحقيبة متسائلين لا ببراءة ولا بجهل عن علاقة الرجل بالزراعة واعتقد انهم قفزوا قصداً عن الدور الأهم للوزير اي وزير كعضو في مجلس الوزراء صاحب الولاية العامة، حيث يتعدى دور الوزير مسألة ادارة وزارته التي يفترض ان فيها أمينا عاما وخبراء وموظفين يسيرونها، الى مناقشة كافة القرارات التي يتخذها المجلس وهنا تأتي أهمية الخبرة السياسية التي يجب أن يتمتع بها أعضاء مجلس الوزراء، وفي يقيني أن لدى محمد داودية خبرة ونباهة قلما تتوفر لغيره فقد دخل داودية معمعان العمل العام منذ ما يزيد عن أربعين عاماً تقلد خلالها مناصب كثيرة نجح فيها كلها فيما ظلت الصحافة مرافقة لمسيرته لم يتخل عنها لقناعته بأنها الحبل السري الذي يربط الصحافي بأبناء وطنه.

لقد عمل محمد داودية صحفياً ومديراً لدائرة الإعلام في الديوان الملكي الهاشمي نهاية القرن الماضي ثم اصبح نائباً كان صوتاً حراً لا يساوم على مصالح الناس او الوطن ولم يدخل في شراكات او مقاولات كما فعل ويفعل كثيرون غيره وعندما عمل وزيراً للشباب ثم وزيرا للتنمية السياسية احدث فرقاً ايجابياً في ادارة الوزارتين، وبعد ذلك مثّل الوطن سفيراً في أكثر من دولة وكان يقول لكل أردني في تلك الدول تفضل إلى بيتك الذي يسكنه السفير.

كثيرون غير محمد داودية منحهم الوطن فرصاً كثيرة لكنهم لم يتمكنوا من اكتساب اية خبرة تنعكس على ادائهم وهذا هو الفرق بين رجال اصحاب همة وهؤلاء نحتاجهم ومن لا همة لديهم لا نحتاجهم، ان الكفاءة التي يتمتع بها رئيس الوزراء ومعظم الوزراء وفي مقدمتهم الأخ محمد داودية سيلمس اثرها المواطن بعد فترة غير بعيدة اما وزارة الزراعة فسينجح بإدارتها داودية كما نجح طبيب العيون الأخ الأعز ممدوح العبادي بأمانة عمان وكما نجح المهندس سعيد دروزة بإدارة وزارة الصحة وبإدارة الملكية الأردنية الآن، وكما نجح من قبل المرحوم صالح المعشر بإدارة وزارة الصحة.

كل التوفيق للرئيس الصديق بشر الخصاونة وللفريق الوزاري الأصدقاء منهم والذين لا معرفة سابقة معهم ولندفع العربة معهم بدلاً من وضع العصي في الدواليب.