لقد شهد الأردن قبل أيام جريمة بشعة في مدينة الزرقاء بحق فتى صغير في السادسة عشرة من عمره, هذه الجريمة هزت وجدان وضمير كل الأردنيين, وتداولتها بعض المحطات الفضائية الأردنية وغير الأردنية, باعتبارها حالة شاذة من عمليات الانتقام, قام بها مجموعة من الخارجين عن القانون, قلما تسمع عنها سوى في أفلام العصابات والمافيا, وأعتقد شخصيا أنه لا يوجد الفاظ أو كلمات يمكن أن يوصف بها مرتكبو هذه الجريمة, لما فيها من انحطاط للقيم والأخلاق الإنسانية , بسبب بشاعة الجريمة, وقد تابع جلالة الملك وباهتمام شخصي عمليات إلقاء القبض عليهم, وكذلك توفير كامل الرعاية الطبية للفتى الذي تعرض للاعتداء.

لقد ساهمت سرعة وسهولة انتشار نقل المعلومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات السابقة, الى تسليط الضوء على كثير من قضايا العنف المجتمعي التي هزت الرأي العام, وأذكر قبل أشهر تداول الناس بشكل كبير الجريمة البشعة التي قام بها أحد الأزواج بفقء عيني زوجته بسبب خلاف عائلي. وان كنت لست متخصصا بالعلوم التربوية للحديث عن الأسباب تدفع مثل هؤلاء لارتكاب هذه الجرائم, ولكن من الطبيعي أن هناك دوافع لهذا الانحراف الإخلاقي, من أهمها: العنف الأسري، الفقر والبطالة وغياب القيم المجتمعية مثل: الدين والأخلاق والعادات والتقاليد, وحتى عدم الاحترام والتقيد بالقوانين والانظمة, فمن يرتكب مثل تلك الجرائم يعلم مسبقا العواقب المترتبة على فعلتها ولكن هذه الفئة المنحرفة لديها في كثير من الأحيان ما يسمى بالنشوة الكاذبة والتمرد واللذة في الانتقام و مخالفة القانون, وبالتالي الاعتياد على الجريمة والحبس, الذي يصبح بمثابة ملاذ ومكان لإقامته المعتادة, وهو ينظر للمجتمع ومن حوله بنظرة حقد وكراهية وانتقام, ويعتبرهم المسؤولون عما آلت إليه حالته , لذلك تجد هذا العنف غير المبرر والشاذ والغريب من هذه الفئة, فالغاية لديهم تبرر الوسيلة.

أنا أعلم أننا جميعاً قادرون على توصيف هذه الحالة, وشرح أسبابها, ولكننا لا بد أن نعترف أيضا أننا عاجزون عن معالجتها لأسباب كثيرة, فهذه الجرائم هي مخرجات ونتائج لتراكم الأزمات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية عبر سنوات طويلة, لا يتسع المقام للحديث عنها, ولكنني أعتقد أنه وعلى المستوى الرسمي, لا بد من إعادة النظر وتقييم الخطط وبرامج التوعية المجتمعية, التي تقوم بها الوزارات والمؤسسات المعنية بالقضايا الاجتماعية, والعمل على تنظيم دور مؤسسات المجتمع المدنية الرسمية , التي تخضع لمسؤولية الوزارة مثل: صندوق المعونة الوطنية والجمعيات الخيرية التي شهدنا في بعض منها أعمال عنف غير مبررة تجاه الأطفال والمعوقين وكبار السن. ولا بد أيضا من العمل على تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني الاجتماعية الخاصة الناشطة في هذا المجال, والأهم إعادة النظر بالتشريعات والقوانين الناظمة للعمل الاجتماعي , وإعداد منظومة حديثة متكاملة, تغطي كافة الجوانب والأهم التركيز على فئة صغار السن غير البالغين من مرتكبي الجرائم, بإعادة النظر في البرامج التأهيلية قبل مغادرتهم لمراكز الأحداث التي أصبحت بؤرة ومنشأ لنمو الأفكار الإجرامية.