حفلت الكلمة التي ألقاها جلالة الملك عبد الله الثاني خلال مشاركته الجمعة في حوار "بورلوغ" الدولي حول الزراعة والأمن الغذائي في العالم بالكثير من الإشارات والدلالات التي اعتبرها جلالته حقائق يجب على العالم أن يتعاطى معها كأولويات تتقدم على غيرها وهي الصفة التي غلبت على خطابات وكلمات جلالته وعكست اهتمامه بالإنسان عبر امتداد العالم باعتباره العنصر الرئيس في إحداث التنمية في كل مكان مؤكدًا جلالته ضرورة جعل صحة الشعوب وسلامتهم على رأس الاهتمامات.

جلالة الملك كان سبّاقاً منذ مطلع هذا العام وقبيل تفشي فيروس كورونا المستجد على نطاق عالمي واسع، في دعوته إلى إعادة ضبط العولمة بما يتفق مع تبعات الواقع الجديد الذي أفرزته جائحة كورونا التي تخطت الحدود ووصلت إلى كل ركن وزاوية في دول العالم أجمع، فالأردن على لسان جلالته يجد ان الأولوية يجب أن تكون لإعادة البناء وتأمين فرص العمل للشباب وإعادة الروح إلى الاقتصادات العالمية، ونفض غبار الأزمة وإعادة العمل على تشييد معالم التنمية وصروح البناء والعمران وبتعاون عالمي جماعي موحّد في الرؤى والأهداف بدلاً من الانجرار والوقوع في فخ القوميات الضيقة والانقسامات التي لن تقوى على حل المشاكل الأهم في نظر سموه والتي يتقدمها كل ما له علاقة بالإنسان في كل مكان.

وبنظر وتقييم جلالة الملك والذي عادة ما يأتي صائبًا وينمّ عن رؤية حكيمة وتحليل بعيد المدى، فإنّ العالم لم يعد يمتلك ترف تضييع الوقت وأنّه لا بد من التكاتف واغتنام الفرصة لبناء نظام عالمي يحفظ للإنسان كرامته ويضعها في مقدمة شؤونه وملفاته ليصبح نظامًا أكثر فاعلية وشمولية ويعمل في الوقت نفسه على تعظيم وغرس جملة من المفاهيم والقيم الجديدة في نفوس الناشئة حتى تتمكن من العيش واستيعاب المتغيرات الجديدة، وهو ما لم يتم إلا عن طريق تعزيز العمل العالمي المشترك والتركيز على روح الإبداع والابتكار كمهارات ومتطلبات جوهرية للمستقبل الذي يسعى العالم إلى تحقيقه.

كلمة جلالته في حوار "بورلوغ" ليست لوقتها التي ألقيت فيه فحسب، بل هي وصفة شاملة تضمنها تشخيص دقيق جلي للواقع في العالم حين أبدع الملك وأتقن في تحليله وقراءته بنظرته الشمولية ما يعني أنّ على العالم أن يصغي جيداً لما قاله الملك ويتخذه خارطة طريق وإطار واضح المعالم بعدما حدد الملك فيه الأولويات التي رآها تتمثل في دعم القطاعات المحورية كالبنية التحتية الزراعية، ودعم المزارعين في البلدان النامية حتى يتمكنوا من الحصول على التمويل والتدريب بشكل أفضل لخدمة مجتمعاتهم، ودعم الأفكار المتقدمة في مجالات الإنتاج والتزويد والتخزين وتبادل الخبرات، وكذلك تسخير الحلول التي توفرها التكنولوجيا الحديثة في مجال الزراعة لتنويع المحاصيل وإنشاء شبكات أمن غذائي متينة.

من جديد يضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التي تتصدرها هذه المرة الجوانب الإنسانية وعلى رأسها مسألة الأمن الغذائي كمقدمة لحياة كريمة يتطلع جلالته إلى تحقيقها وإفادة الإنسانية جمعاء منها.


Ahmad.h@yu.edu.jo