«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة العاشرة..

الحياة وسط الغربة

مساء الخيرات صديقتي العزيزة دلال

اتأمل كثيرا دورة حياة الإنسان بداية من الطفولة ومرحلة النمو، والمرحلة الدراسية ثم الخروج لمعترك الحياة والعمل والكفاح، حتى يصل للمعاش ويستعد لمغادرة الحياة، رحلة تحتاج لكثير من التأمل والتعلم، ويظل الإنسان غير قانع بما فيه ويبحث عن الجديد أو البديل.

وهذه طبيعة الإنسان كما خلقه الله، وإن كان هناك فروق بين إنسان وآخر، فروق تظهر الإرادة والطموح وحب التطوير أو التخاذل والتهاون والاعتماد على الغير، وهكذا يظل الإنسان في صراع أبدي لن ينتهي.

وبين البحث عن وطن، والبحث عن تحقيق الذات، تستمر رحلة الإنسان، فمنذ الخليقة والإنسان يتنقل بحثا عن الغذاء والأمن والأمان، ولكن هل يقنع الإنسان؟ سؤال ليس له إجابة برأيي، ولكن سيظل يحاول ويحدث من نفسه حتى يواكب أي ظروف جديدة أو مختلفة.

وأتعجب بشدة كيف استطاع الإنسان التأقلم مع الثلوج والبرد القارس، ولا أتحدث عن التأقلم حاليا ونحن في 2020 حيث وفرت التكنولوجيا كل الوسائل التي تساعد على التأقلم من مكيفات وأدوات في كل وقت ومكان، ولكني أتحدث عن قديم قبل وجود هذه التكنولوجيا، كيف فعلها وتأقلم؟ هي الإرادة وحب الحياة برأيي، وهو ما يحدث حاليا بأشكال كثيرة ومتنوعة.

فكل إنسان منا يُحدِّث ويجدد نفسه عدة مرات، مثل الويندوز والأندرويد بالضبط، وأظن أننا نجدد نسخنا كل عدة سنوات، مع كل مرحلة جديدة، وقد تكون أكثر أو أقل حسب التجارب والخبرات التي نمر بها، ولكن برأيي أن شعور الغربة يسرع من التحديث -بلغة الكمبيوتر- وذلك دون أن نشعر بذلك.

ورغم أن غربتي ما زالت قليلة المدة نسبيا مقارنة بآخربن، وإن كانت الغربة لا تحسب بالمدة، إلا أنني تحدثت عدة مرات في وقت قليل جدا.

يحدث في الأفلام أن يقوم المخرج بحيلة فيدخل البطل في مكان، ويخرج من مكان آخر، أو يكون في مشهد أبيض وأسود فينتقل سيرا بالأقدام فيدخل مشهد آخر بالألوان، هكذا أشعر، وأدعي أن لدي خبرات حياتية عديدة على مدار نصف قرن هو عمري، عشت تجارب تقترب من عدد شعر رأسي المتبقى والذي تغير للأبيض ليقوم بتحديث آخر ضمن تحديثنا لأنفسنا.

ثم تأتي الحياة بتجارب جديدة بعد نصف قرن، لتشعرني أن كل ما جرى في الماضي شيء وما يجرى حاليا شيء آخر تماما، ولكن لأن القدر غالبا لن يمنحني نصف قرن آخر، فأراد أن يكثف هذه التجارب في فترة قصيرة بدأت ولا أعرف متى تنتهي.

صديقتي دلال.. رسائلنا فتحت بابا من الأسئلة لا ينتهي، ونبهتني إلى أشياء كثيرة لم أكن واعيا ومدركا لها، وها أنا استكشف معك الحياة وسط الغربة أو الغربة وسط الحياة.

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك حسام يا رفيق الغربة

غيظ بريء يمتد (كعناقيد النجوم) بيني وبينك!ـ

وأتسمر أمام رسائلك، وأسئلتك المشتعلة! وذاكرتك التي تصهل كحصان جامح.

ما أسعدني!! تعلمت منك ومعك الفيزياء الحديثة! لتحليل الحياة والأشياء، والضوء وإلكترونات الغربة السالبة والموجبة! أعرف أنك ستغرق في الضحك الآن وأنت تقرأ كلماتي، ضحكك البريء العنيد، الذي يضيء العتمة وأزقة الحنين.

كابتن حسام، الحياة وسط الغربة، جملة استوقفتني في رسالتك، لعلها أنصتت إلى نداءاتي الضامرة؟ وبحثت في قفصي عن عصفور ما قتله الغياب!.

جملة استقرأت حكاية ولدت من عتاب مؤجل، فهل لديك متسع لاحتواء حكايتي؟

صورة قديمة علقتها على جدار غربتي، قرب الساعة، فضاق صبرها! وهطلت عليّ فحيحا خدش دهشة المساء تلثغ أحرفا استفاقت من غيبوبتها، عاتبتني وقالت: (شخت من الأفعال الناقصة! ومن استراق النظر إلى جثث الذكريات، أتدركين معنى الخواء؟

لا بلل في هذا النبع، وغربتك فضاء وعر بالوحدة! المنفى خيبة لا تتعافى، وضوء شاحب، وهبات من حنين غربتك تثير حيرتي المهووسة! وتحشرني في قاعها البارد المهجور، فما ذنبي أنا؟ ليتعفر وجهي بلحظات جفت كالخبز على الأرصفة.. من يحميني من مرارة لا تنفض ردائي، وتحل خيوط الخيبة غرزة، غرزة، غرزة؟.

بنظرة متضامنة! أو متواطئة! إحتاجت زمنا لتعري بقعة الفراغ أمامي، ويد أثارها مزاج عادل، أوقفت الساعة، وحررت الصورة المتذمرة من الإطار.

هكذا تتفجر الحكاية في أحشائي لتكتشف الحياة وسط الغربة.

حسام، أخبرني عن مشاريعك القادمة، عن أحلامك المؤجلة، عن حبيبتك الإسكندرية

بانتظارك كابتن، دمت بألف خير

د. دلال مقاري باوش