د. محمد الذنيبات اخصائي زراعة الكلى

حتى بداية القرن العشرين كانت الولادة سببأا رئيسياً في الوفيات العامة، حيث كان ما يقارب من خمس الوالدات حديثا يتوفين بسبب ما يسمى ب (حمى النفاس). و استمر ذلك الأمر إلى أن لاحظ الدكتور سيملويس ملاحظة مهمة في أحد أقسام الولادة النمساوية وهي أن غرفة الولادة التي تعمل فيه القابلات في أحد مستشفيات فيينا تكون نسبة الوفاة فيه حوالي ٣٪؜؜ فقط بينما في الغرف التي يعمل فيها الأطباء كانت نسبة الوفاة ستة أضعاف أي حوالي ١٨٪؜؜. وضع الدكتور سيملويس عدة فرضيات وقام بتجريبها و لم تنجح أي منها في تفسير هذه الظاهرة المقلقة فمرة قال أن المرأة حين تلد مع امرأة تكون على جنبها بينما تظل على ظهرها حين يولدها طبيب، ثم افترض ان كاهن المستشفى و مساعده الذي يدق الجرس حين يمر من الغرفة التي يعمل فيها الأطباء يطيل البقاء و هذا يصيب النساء بالقلق. ثم وصل في عام ١٨٤٦ إلى التفسير العلمي الذي اجاب على سؤاله الكبير و غير وجه الولادة بشكل ملفت !! حيث وجد أن الأطباء قبل قدومهم إلى قسم الولادة يمرون على المشرحة و يعلمون طلابهم بعض الأمور من خلال تشريح الجثث ثم يأتون إلى القسم دون أن يغسلوا أيديهم، و ليثبت صحة الفرضية طلب إلى الأطباء المتجهين إلى غرفة الولادة أن يقوموا بغسل إيديهم قبل توليد الحوامل و فعلا بعد قيامهم بذلك انخفضت النسبة إلى ٢٪؜ ثم انخفضت أكثر حينما بدأوا يعقموا الأدوات المستخدمة لتصبح شبيهة بنسبة الوفاة في قسم القابلات.

وبالطبع لم يتقبل العالم هذا الأمر بسهولة وانتظر المجتمع الطبي في أوروبا اكثر من ٨٠ سنة قبل أن يأخذوا بالمقترح البسيط (اغسلوا أيديكم) فضلا عن أنه تعرض إلى حملات تشويه و رمي بالزندقة و الجنون و هوجم من قبل زملائه ظنا منهم أنه يتهمهم، و طُرد من المستشفى و حاول بعضهم دحض فرضيته (بأن الأيدي المتسخة سبب في نقل العدوى) و اجتهد كثير منهم في البحث عن أسباب اخرى تفسر ما جرى مع سيملويس إلا أنهم فشلوا في ذلك ! وذُكر عن وفاته أخبار كثيرها مؤلمة من بينها أنه جرى قتله ضربًا من قبل زملائه حتى مات بجرح تلوث و تسبب له بالتسمم فيما بعد، واخرين يقولون أنه مات في مصحة نفسية في فيينا (كما تذكر ميريام وارمان أستاذة علم الأحياء في جامعة ويليام باترسون في نيوجيرسي ومؤلفة " كتاب اليد: البقاء على قيد الحياة في عالم مليء بالجراثيم") !! اليوم يعتبر غسل اليديين أهم اجراء يمارسه العاملون في القطاع الصحي و تعتبره فرق مكافحة العدوى أهم ما يمكن اتباعه في المستشفيات و تقوم مؤتمرات كبيرة توصي به. و في التهاب القصيبات عند الأطفال bronchiolitis مثلا يعتبر غسل اليديين قبل كل شيء اهم طريقة للوقاية من انتشار العدوى بين الأطفال في الحضانات و دور الرعاية. وبالطبع أن أرقام من لا يغسلون أيديهم حول العالم صادمة جدا ف ٢٠٪؜ من الناس في عينة أمريكية لا يستعملون الماء حتى بعد استخدام المرحاض.