أبواب  -  وليد سليمان

«غالب هلسا» مبدع أردني شهير, وهو من الروائيين الكبار المتميزين في العصر الحديث بالوطن العربي, الذين لاقوا اهتمام القارئ والدارس والباحث, مما أكسب أعماله شهرة تقترب من كبار المبدعين الروائيين العرب مثل: نجيب محفوظ المصري, وحنا مينا السوري, وعبد الرحمن منيف السعودي, والطيب صالح السوداني, وغسان كنفاني الفلسطيني, وأمين معلوف اللبناني, وابراهيم الكوني الليبي... وغيرهم.

كاتب واقعي جداً

وغالب هلسا المولود في قرية ماعين–التابعة لمدينة مأدبا الأردنية ولد عام 1932 وتوفي عام 1989وعاش فترات طويلة في كلٍ من مأدبا وعمَّان والقاهرة وبغداد وبيروت ودمشق.

وغالب هلسا كاتب واقعي.. حيث عُدّت كتاباته من قصص وروايات عبارة عن سيرة ذاتية له على لسان شخصياته.

ومن خلال بعض رواياته نقرأ تفاصيل الحياة مثلاً في عمان التي عايشها بفترة الخمسينيات, عندما درس طالباً في مدرسة المطران بجبل عمان.

نزول شارع المصدار

يقول في إحدى رواياته وكأنه يتحدث عن نفسه عندما سافر من مأدبا, وأشرف للوصول الى مدينة عمان ما يلي:

عندما وصلت بنا الحافلة قمّة منطقة (مصدارعيشة) انكشفت (عمان) أمامنا فجأة حيث: الوادي وبيوت الحجر البيضاء الهابطة من جبل النظيف، والبيوت القليلة على يميننا التي تقف على قمة جبل الأشرفية... والكثير من الأشجار وأعمدة التلغراف.

لقد كان ذلك يفاجئني دائماً: أن أجد نفسي فجأة، دون تمهيد، على أطراف مدينة كبيرة!.

توقف الباص وطلب «مسعد» من الركّاب الزائدين عن المقاعد أن يهبطوا، وسوف ينتظرهم الباص عند بداية حي المهاجرين.. كان يفعل ذلك قبل الوصول الى نقطة المرور، التي يفترض أنها تشكل المدخل الجنوبي لمدينة عمان.. حيث يقوم أحد أفراد نقطة الأمن بكتابة رقم السيارة القادمة، وأسماء الركّاب،. وبعد ذلك يسمح للسيارة بالمرور.

كان ذلك يستغرق وقتاً كافياً كي يصل الركّاب الزائدون الى النقطة ويتخطوها، ثم يتوقفوا عند الجسر المؤدي الى حارة المهاجرين، حتى تصل السيارة، ويركبوها مرة أخرى, وكان ذلك يتم أمام رجال النقطة فلا يفعلون شيئاً!.

أخذنا نهبط طريق المصدار.. وعلى الجانبين كانت أكواخ من الصفيح، أو خيام بيضاء مربعة، نساء مكدودات يطالعننا بأنوف مجعدة، وأيد مفروشة على الحواجب تقي العيون ضوء الشمس، أطفال أنصاف عراة يركضون نحو السيارة ويصرخون بعبارات غير مفهومة.. يلي ذلك المقبرة حيث قبور بيضاء، صغيرة، أنيقة، تصعد من جوف الوادي وتتسلق الجبل.

حيلة لوجبة غداء!!

وعن بعض الطرائف أو الحيل التي شاهدها أو سمعها المؤلف عن بعض الاشخاص في عمان يقول:

جاء أحد الأشخاص المتسلبطين وصافح أحد رجال البدو القادم من خارج عمان قائلاً له وبحرارة أهلاً وسهلاً بِ «حمد».. وكيف الحال يا حمد... الخ!!.

والبدوي مندهش لأنه ليس اسمه حمد!! لكن الشاب الأزعر يؤكد له أنه صديقه القديم حمد !! وهنا يلين البدوي ويقول متساهلاً بأنه حمد بالفعل.

ويدعو هذا الشاب الذي يدعي أنه يعرف حمد لتناول طعام الغداء على حسابه..وهكذا يسيران الى مطعم فاخر، ويأكلان ما لذ وطاب، وينهض الشاب ليغسل يديه ولكنه لا يعود أبداً!! وبعد انتظار طويل يواجه البدوي الموقف!! إذ عليه ان يدفع حسابه وحساب مضيفه، فيصرخ لاعناً نفسه بندم «ملعون أبو حمد».

من شارع طلال لشارع فيصل

ويتابع المؤلف هلسا قائلاً: ركبت سيارة أجرة وكان خط سيرها في شارع الملك طلال حتى نهايته، مروراً بساحة الجامع الحسيني، ثم الانحراف يساراً حتى الساحة التي فيها الساعة- شارع الملك فيصل- ؛ فقد كان على يساري الممر التجاري، ومطعم ابو العبد، ومحلات باتا لبيع الأحذية، ومكتبة الصفدي، والدرج الصاعد الى جبل عمان.

وعلى اليمين كان مقهى السنترال – وعن يمينه شارع السلط- شارع الملك الحسين- وعن يساره شارع وادي السير–شارع الأمير محمد- الذي سرنا فيه حيث مبنى البريد الرئيسي، ثم مقهى وادي النيل.. إنها معالم ثابتة في ذهني.

ثم نسير حتى نصل في بداية الصعود الى جبل عمان- طلوع الحايك-.. فعلى جهة اليمين تأخذ البيوت في الإنحدار عن مستوى الشارع، وعن يساري تطل علينا البيوت من فوق تعلو وتتراجع، وأواصل السير، وأدور حتى الدوار الاول، حتى أنحرف يساراً نحو مدرسة المطران التي أنهيت فيها دراستي الثانوية.

مقهى وادي النيل في عمَّان

وفي موقع آخر من إحدى رواياته يتحدث هلسا عن جلوسه في «مقهى وادي النيل» والذي كان يقع في شارع وادي السير- شارع الأمير محمد- قرب البريد الآلي «بجانب مسجد قارة» يقول:

«أنا لم أكن أعرف شخصاً اسمه طلعت، ثم طلبت قهوة فرنساوي مع الحليب..كان في مواجهتي قد جلست فتاتان وشاب.. لم أطل النظر إليهم رغم لهفتي لذلك!!.. أخرجت رواية «مدام بوفاري» من جيب الجاكتة وواصلت القراءة فيها.. كان ذلك لمنع نفسي من التحديق بالفتاتين ثم نسيتهما واستغرقت في الرواية.

ويقول: كنت أعلم في أعماقي أنَّ عمان خاوية، وأنها قرية محافظة، ولكن الأمور اختلطت عليّ.. كنت أعيش عمان باعتبارها تحققاً لأحلام ولدت فيها.. أحلام تكونت بإيحاءات هذه المدينة.. ولكنها عجزت عن أن تفتح أمامي مجالاً واحداً يمنحني الفرح.

وفي ضوء المقهى الشعبي كان وجه سمير مبللاً بالعرق وعيناه لامعتين.. طلبنا شايا بالنعناع، ثم قال شفيق:

ان النائب المعارض مثقف بورجوازي، وان البورجوازية تلعب دوراً تقدمياً ووطنياً في المرحلة الحالية.

وقال خالد: إنَّ هنالك تناقضاً بينها وبين تحالف الاستعمار مع الاقطاع ومع البورجوازية الاحتكارية.

فجأة... انتبهت الى كأس الشاي يلسع يدي، فوضعته على الصينية، وأنا أصفّر متألماً...ثم غادرنا المقهى في الخامسة بعد الظهر تقريباً.

سرنا في الشارع وكان الجو ما يزال حاراً.. وبعد ان تمشيّنا قليلاً اقترحت ان نصعد جبل عمان. سوف يكون الحر أخف.. لكنَّ شفيق قال:لا.. سنتوجه الى مقر الندوة الأدبية.

منتدى الندوة الأدبية

وصلنا ساحة المسجد الحسيني وسط البلد.. لنصعد درجاً ضيقاً مظلماً زلقاً.. في نهاية هذا الطابق الثاني على اليمين كان نادي «منتدى الندوة الأدبية» حيث ملتقى الشباب والطلاب والأدباء والمفكرين, والذي يتكون من حجرتين ومطبخ، وفسحة واسعة مكشوفة عبارة عن سطوح عدد من الدكاكين.. وكانت تلك الفسحة تطل على ميدان المسجد الحسيني الكبير.

فعلى يسار المسجد هناك طريق تؤدي الى قيادة شرطة عمان، وفندق النيل، والكراج الذي تنطلق منه السيارات الى مأدبا.

حول المسجد الحسيني

ثم يقول: طيلة النهار، والساعات الاولى من الليل، يزدحم الميدان بالسيارات، والباصات وعربات اليد يدفعها الباعة المتجولون يتخللها جمال وحمير وأغنام وخيول وبقر، ومئات من البشر من مختلف الأصناف: تجار مواشٍ، شحّاذون، بدو، فلاحون، مخبرون، عتالون.

وقبل ذلك في عام 1948 كنت تجد أكواماً من الأنابيب والأثاث المحطم، وساعات المياه، وعدادات الكهرباء، وكتب ومجلات بالعربية والانجليزية وغيرها, كان يبيعها بعض البُسطاء ليس عندهم أدنى فكرة عنها.

وابتداءً من الساعة العاشرة مساءً أو قبل ذلك بقليل، يذوب الزحام ويبدو الميدان مهجوراً، وكبيراً وعتيقاً جداً.. ففي ساعات الليل تحس أن الميدان ينتمي الى مدينة عريقة، لا الى مدينة أنشئت على عجلٍ.. وكان للدكاكين المغلقة وشبابيك الجامع والكراج المظلم ملامح عالم إسلامي ينتمي إلى عصور ماضية.

في بيت يوسف

وفي فقرة أخرى من روايته يقول هلسا: وصلنا بيت يوسف.. وطرق سعد الباب فأتانا صوت يوسف من الداخل:

- خش..تفضل.

وفتح يوسف الباب، لم يتغير فيه شيء، ما زال ضخماً طويلاً قاتم السمرة، عيناه تضحكان، كان حاسر الرأس، وقد حلق شعره عدا قذلة في منتصف أعلى الجبين، فصاح:

- أهلاً.. أهلاً عمي جريس..عشنا وشفناك!.

صافح الجميع بحرارة، ودعاني الى الدخول. كان يتمتع بحيوية مدهشة انفتح الباب على فسحة، تنفتح عليها ثلاث حجرات، كانت واحدة منها مضاءة، قادنا يوسف إليها.

كانت الحجرة تشبه حجرات الضيوف في بيوت القرية الميسورة، وعلى الجدران ألقيت بُسط تتخللها خطوط عريضة بيضاء وسوداء، وفوقها فرشات وُضع بينها عدد من الوسائد، وغُطيت ببسط صوفية ملونة بالأحمر والأصفر والأزرق، كان اللون الأحمر طاغياً.

أما الجدران فقد زُينت كيفما اتفق: قِطع سوداء وخضراء من المخمل طرّزت بزهور حمراء وبيضاء، وبصورة أبي زيد الهلالي شارعاً سيفاً، ويركب فرساً بيضاء سمينة جداً.

وكانت هناك أيضاً صور لمناظر طبيعية (أشجار هائلة خضراء, وبيوت من قرميد أحمر، ونهر أزرق يغطيه زبد أبيض) منتزعة من أحد التقاويم، وكانت هناك صورة ملونة لتشرتشل وهتلر وجورج الخامس وأم كلثوم وعبدالوهاب، وصور شمسية للعائلة مجتمعة.

هذا المثقف العربي

وهذا المثقف العربي الواسع الثقافة والآفاق والأحلام كان يتخذ سبيل الحرية في معيشته وتفكيره وكتاباته المتنوعة وحتى المترجمة منها.

وغالب هلسا والذي تواجد في كل عاصمة عربية كشخصية ثقافية وفكرية بارزة كان ورغم آرائه التقدمية واليسارية عصياً على التطويع تحت أية أحزاب وانتماءات وتيارات سياسية.. فقد كان جريء الرأي والنقد لأي شيء كان، مهما كانت الصلة قريبة بهذا الفكر او السياسة او المعيشة ولقمة العيش!!!.

وهذا المشاكس المتمرد، والكئيب بسبب اغترابه الطويل عن الاردن مارس العديد من الشؤون والمهن الثقافية منها:

السياسي والصحفي والابداعي والاذاعي في البلاد التي عاش فيها حتى أصبح فيهاعلماً يُشار اليه كشخصية ثقافية وفكرية هامة.

حتى ان رواياته المعروفة وقصصه كانت محور رسائل جامعية عليا لطلاب الجامعات الذين نالوا درجات الماجستير والدكتوراة مثل الاديب الاردني (محمد القواسمه) الذي نال درجة الدكتوراة في أدب غالب هلسا قبل نحو عشر سنوات.

وقد ترجمت العديد من روايات غالب هلسا الى لغات أجنبية بسبب هذا الابداع والتجديد والجرأة والحرية التي تميزت بها رواياته جميعها.