الكلمات هي رسم العالم في الأذهان، فالوعي الجماعي والفردي يصوغ صورة العالم في الذهن، عبر عدد من الكلمات التي تتألف منها اللغة؛ ولذلك فإننا حين نفكر، وحين ندرك، وحتى حين نحلم؛ فإننا نقوم بتلك الأنشطة الذهنية كلها، من خلال اللغة والكلمات.

((قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)).

فالكلمات هي مفاتيح المعرفة، وهي حدود المعاني، وهي وجود الأشياء في العقل الإنساني، وربما في العقل الإلهي أيضاً! بحسب ما جاء في الآية القرآنية البديعة.

الغرم والغرام

ففي كلامنا اليومي، صارت كلمة الغرام مرادفة للحب، ليس في كلامنا العامي فحسب، وإنما أيضاً في الكلام الفصيح أو المتفاصح؛ فقد صرنا نقول (خطابات غرامية) قاصدين بذلك رسائل المحبين، ونقول للمحبوبة (يا غرامي الوحيد) قاصدين إنها الحب الأوحد.. والمسائل العشقية نسميها: غراميات، والفيلم الشهير عنوانه: غرام وانتقام، والأغنية الشهيرة تقول: «الناس المغرمين ما يعملوش كده"!.

وعلى هذا النحو راحت الكلمة تجري على ألسنتنا، حتى راجت في لغتنا خلال الخمسين سنة الأخيرة بهذا المعنى المحدد، فصار معناها المشهور على الألسنة من البديهيات، مع أن الغرام أصلاً هو العذاب الشديد! والقرآن الكريم يقول عن جهنم (.. إن عذابها كان غراما).. والأصل في الكلمة، هو:الغرم, وهو حسبما يقول علماء اللغة من أمثال ابن منظور والفيروزأبادي ومرتضى الزبيدي، كل في معجمه: الغُرم هو (الدَّيْن) والغارم هو الذي عليه دَيْنٌ أو ديةٌ، والغريم الذي له الدين والذي عليه الدين، فكلاهما غريمٌ للآخر! والغرام هو اللازم من العذاب والشر الدائم، وقد أُطلقت الكلمة أول الأمر، بشكل مجازي، للتعبير عن العشق والهوى والولع، ثم انقلب المجاز أصلاً للمعنى، فلم نعد ندرك المعنى الأصلي من الكلمة.

وقد يقول قائل: إن الكلمات قد تتغير معانيها، أو ينقلب المعنى فيها حتى يتحول من الضد إلى الضد، أو تختص بمعنى واحد (مجازي) وتندثر دلالاتها الأخرى.. وهذا قول صحيح من الناحية النظرية، ولكن عملية التحول الدَّلالي هذه، من المفترض ان تستغرق سنوات طوالاً، ولعلها لا تتم إلا في مئات السنين. أما أن يطفر، فجأة، معنى جديد للكلمة، من دون ذلك التحول التدريجي، خاصة مع كون هذه الكلمة قرآنية، فإن الأمر ينطوي على خطر دلالي؛ فهذه الكلمة وغيرها كثير من الكلمات، صرنا فجأة نستخدمها في غير المقصود منها؛ وهذا خلل أراه خطيراً؛ لأن اللغة التي نتداولها ما لم يكن لها ضابط، فلا ضابط للمعاني ولا الأفكار. لو صار للكلمات في كل فترة معانٍ متضاربة، لتضاربت أغراضنا ومرامينا، وصارت اللغة وسيلة تشتيت، بدلاً من أن تكون وسيلة تواصل.

الشاطر

على كل حال، فإننا نصف في كلامنا اليومي الشخص الماهر بأنه (شاطر) فدعونا نتوقف عند هذه الكلمة قليلاً.. الشاطر في اللغة العربية هو الشخص الذي يأخذ نحواً بعيداً عن الاستقامة والاستواء، ولذلك قيل له (شاطر) لأنه تباعد عن الاستواء. هذا ما يقوله ابن منظور في لسان العرب، أما الفيروز أبادي صاحب القاموس المحيط، فيقول ما نصه: الشاطر هو من أعيا أهله خبثاً.

وبعيداً عن الدلالة المعجمية لكلمة الشاطر، سوف نجد اللفظة، وقد ظلت تُستعمل حتى عصر قريب، بمعنى قاطع الطريق ومحترف السرقة والنهب. وهناك مبحث كامل عنوانه: العيَّارون والشطار في العصر المملوكي والعمثاني.. حيث كان يوصف بذلك، الخارجون عن القانون.

وفجأة، صار الشاطر يعني الماهر! وانقلبت دلالته إلى الضد، مثلما انقلبت دلالات كثيرة اليوم، فصار (أولاد الناس) يُقصد بهم عليّة القوم، مع أن المقصود بذلك أصلاً، جماعة المماليك والمرتزقة الذين لا يُعرف لهم أب.

القهوة

وصارت القهوة تعني مشروب البن، مع أن معناها الأصلي في اللغة العربية هو الخمر. وقد سُميت الخمر قهوة؛ لأنها تُقهى شاربها عن الطعام أي تذهب بشهوته، باعتبارها أن (قها) تعني أنسدت نفسه عن الأكل.

وهناك ما لا حصر له من الأمثلة الدالة على الانقطاع في المعنى، وعلى الانقلاب الدلالي. وهو الأمر الذي أراه خطيراً على الوعي العام باللغة، وعلى التواصل مع الموروث.. ومع ذلك فلا أحد يهتم به.

وكما أشرنا مراراً، فقد عَرَّف العلامة ابن جنّي اللغة في كتابه (الخصائص) بأنها: أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.. فاذا زادت هذه الفوضى الدلالية؛ انتفت (الأغراض) التي تقوم اللغة بتوصيلها، وصرنا بلا أغراض، وبلا تواصل، وبلا لغة، وأخذنا من بعد ذلك نتباكى على ضياع لغتنا الجميلة، ونذرف الدمع الغزير على اندثار اللغة التي نحن بها مغرمون! .

الموضوع من كتاب «كلمات–إلتقاط الألماس من كلام الناس» للدكتور «يوسف زيدان» وهو أستاذ جامعي كاتب وفيلسوف مصري، متخصص في التراث العربي المخطوط وعلومه، له عدة مؤلفات وأبحاث علمية في الفكر الإسلامي والتصوف وتاريخ الطب العربي، وله إسهام أدبي في أعمال روائية منشورة، ومقالات في عدد من الصحف العربية, عمل مديراً لمركز المخطوطات في مكتبة الإسكندرية.