بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد/خبير المناهج وطرق التدريس

احتل موضوع الذكاء وقياسه مكانةً مهمةً في البحوث النفسية والتربوية منذ مطلع القرن العشرين. وقد أسهمت الدراسات الأولى في ميدان علم النفس التي تركزت حول الفروق الفردية في الذكاء والقدرات العقلية، في تطورٍ كبيرٍ وواضحٍ في حركة القياس النفسي. ويُعد الذكاء من أهم موضوعات علم النّفس الذي نال اهتماماً كبيراً من جانب المتخصصين، وذلك نظراً لأهميته كمقدرةٍ عامةٍ تساعد على كلٍ من التحصيل الدراسي، والنجاح المهني، والابتكار، وحلّ المشكلات، والتكيّف مع المتغيّرات المحيطة بالإنسان. وللذكاء أهميته الفائقة في الأنشطة الاجتماعية للفرد وتفاعله مع الآخرين ونجاحه بوصفه العضو الفاعل في المجتمع، كما أن للذكاء الدور القوي في تمكين الفرد من التكيف مع شروط البيئة التي تتصف في الغالب بالتعقيد والاستمرار في عملية التغيير.

وأشار جاردنر إلى أن الوقت قد حان فعلاً للتخلص من المفهوم الكلي للذكاء الذي يقيسه العامل العقلي، والتفرغ للاهتمام بشكلٍ طبيعي للكيفية التي تنمي بها الشعوب الكفاءات الضرورية لأنماط حياتها اليومية. فقد نشر في عام (1983) كتابه الشهير (أُطر العقل الذي عرض فيه نظرية جديدة في الذكاء أطلق عليها «نظرية الذكاءات المتعددة»، حيث استند في ذلك إلى نتائج الدراسات الخاصة بإصابات الدماغ، والدراسات الخاصة بالعباقرة ومن هم دون ذلك، وقد أوضح بأنه توجد أنواعٌ عديدة من الذكاء، تم التعرف إلى سبعة منها في البداية ثم أضيف إليها نوعان آخران لتصبح تسعة ذكاءات متنوعة. وقد استند التصور الجديد للذكاء إلى التطور الكبير والاستكشافات العلمية في مجال علوم الأعصاب والعلوم الذهنية، التي لم تكن معروفة قبل عصر المفكر الفرنسي بينيه. وقد أطلق جاردنر على التصور الجديد إسم (نظرية الذكاءات المتعددة)، حيث يؤكد بأن المفهوم الكلي للذكاء الذي يقيسه المعامل العقلي قد حان التخلص منه، والانصراف للاهتمام بشكلٍ طبيعي بالكيفية التي تنمي بها الأفراد الكفايات اللازمة لنمط معيشتها.

وأشار آرمسترونج إلى أن جاردنر أجرى عدداً من الدراسات الخاصة بإصابات الدماغ، ودراسات ثقافية خاصة بالعباقرة والمعاقين فكرياً، أوصلته في النهاية إلى عددٍ من الفرضيات التي شكلت في مجموعها نظرية الذكاءات المتعددة، والتي تتمثل في أنه يولد جميع الأفراد مزودين بقدر ٍ كافٍ من الذكاء، وكل شخصٍ فريدٍ بذكائه، ويمتلك تركيبةً ذهنيةً خاصةً به، وأن أنواع الذكاءات المتعددة تعمل وتتفاعل مع بعضها بعضاً بطرق معقدة، وهذه الأنواع تعمل كذلك معاً بأسلوبٍ تفاعلي فيما بينها، ولا يمكن الفصل بين أثرها خلال القيام بالعمليات الذهنية. كما تتمركز أنماط الذكاءات في مناطق محددة من الدماغ، وتتميز بمقدرتها على العمل باستقلالية بشكلٍ منفردٍ، أو مجتمعة حسبما تقتضي الحاجة لذلك، وأن الذكاء ليس نوعاً واحداً، بل عبارة عن أنواعٍ متعددةٍ ومختلفة، وأنه يوجد لدى الفرد الواحد جميع أنواع الذكاءات، وأن كل فرد يمتلك قدراً معيناً من هذه الذكاءات، لكن بنسب متفاوتة تميزه عن غيره من الأفراد، وأن كل فردٍ يستطيع أن يطور ذكاءه بأبعاده المختلفة إلى أعلى مستوىً ممكن، ولا سيما إذا تم توفير التشجيع والتعليم المناسبين له.

وقد لخص جودنوف الأفكار الرئيسة لنظرية الذكاءات المتعددة في عدة نقاط مهمة تتمثل الأولى منها في أن كل شخصٍ يمتلك أنواع الذكاءات كلها، فنظرية الذكاءات المتعددة ليست نظرية أنماطٍ تحدد الذكاء الذي يلائم الفرد، بل إنها نظرية تركز على الأداء الوظيفي المعرفي، وتقترح أن لدى كل شخص قدراتٍ متعددةٍ في الذكاءات نفسها. وبطبيعة الحال، فإن هذه القدرات تؤدي وظيفتها معاً بطرقٍ فريدة مميزة بالنسبة إلى كل شخص، ومن الناس من يملكون مستوياتٍ عاليةٍ جداً من الأداء الوظيفي في جميع أنواع الذكاءات أو في معظمها، بينما يملك أناس آخرون مستوياتٍ منخفضةٍ جداً من هذا النوع من الأداء فيها. وبصورةٍ عامة، فإن معظمنا يقع في موضعٍ ما بين هذين القطبين، أي أن بعض أنواع الذكاء متطورة جداً، وبعضها الآخر ظل على نحوٍ متواضع، والباقي نموه منخفض نسبياً.

ومن الأفكار الرئيسة الأخرى إمكانية تنمية كل ذكاءٍ إلى مستوىً عالٍ من الكفاية، إذ يشير جاردنر إلى أن لكل فرد المقدرة فعلاً على تطوير أنواع الذكاءات إلى مستوىً مرتفعٍ من الأداء على نحوٍ معقول، وبخاصةٍ إذا تيسرت له البيئة الملائمة، والإمكانيات الكافية، والتشجيع المناسب، والإثراء المرغوب فيه، والتعليم المطلوب. وإضافة إلى ذلك، فإن أنواع الذكاءات معاً تعمل بطرقٍ مركبةٍ وبشكلٍ جماعي، حيث يؤكد جاردنر على أن كل نوعٍ من أنواع الذكاء يتفاعل مع أنواع الذكاءات الأخرى، وأنه لا ذكاء يوجد بذاته في الحياة باستثناء وجوده في أمثلةٍ نادرةٍ عند الطفل المعجزة من جهة، وعند الأفراد الذين لديهم تلف في الدماغ من جهةٍ ثانية. فمثلاً، لكي تطهو وجبة غداء معينة على سبيل المثال، فإنه ينبغي أن تقرأ أولاً الوصفة الخاصة بها، وهو يعبر عن الذكاء اللغوي، ثم القيام بتقسيم مقادير الوصفة إلى نصفين، وهو يمثل الذكاء المنطقي أو الرياضي. وبعدها يتم وضع قائمة بألوان الطعام المقدمة في الوجبة لتُرضي جميع أفراد الأسرة، وهذا يشير إلى الذكاء الاجتماعي، وأخيراً تحاول بلا شك إرضاء شهية الفرد في الوقت ذاته، وهو ذكاء شخصي. كما توجد طرائق كثيرة حتى يكون المتعلم بها ذكياً في كل فئة، إذ يرى جاردنر أنه لا توجد مجموعة مقننة من الخصائص ينبغي أن تتوافر لأي فرد من الأفراد حتى يُعد ذكياً في مجالٍ معين. فقد لا يكون الشخص قادراً على القراءة، ومع ذلك، تكون لديه قدرة لغوية عالية، وذلك لأنه يستطيع أن يروي قصةً ممتعةً أو أن تكون لديه حصيلة كبيرة من المفردات الشفوية. وتؤكد نظرية الذكاءات المتعددة على ثراء الطرق وتنوعها، التي يوضح بها الناس مواهبهم في الذكاءات وكذلك في الروابط التي تصل بينها.

مما سبق، يتضح أن الذكاء عند جاردنر عبارة عن إمكانيةٍ بيولوجيةٍ يجد له تعبيره فيما بعد كنتاجٍ للتفاعل بين العوامل التكوينية والعوامل البيئية. ويختلف الناس في مقدار الذكاء الذي يولدون به، كما يختلفون في طبيعته وفي الكيفية التي يعملون بواسطتها على تنمية ذكائهم. ذلك أن معظم الناس يستخدمون باختيارهم أصناف الذكاء المتعددة، لحل مختلف المشكلات التي تعترضهم في الحياة، وبذلك تسمح هذه النظرية للشخص باستكشاف مواقف الحياة المعيشية، والنظر إليها وفهمها بوجهات نظرٍ متعدّدة. كما نفى جاردنر في الوقت ذاته الاعتقاد السائد الذي يقول بأن الذكاء عبارة عن قيمةٍ محددةٍ تستمر مع الإنسان مدى الحياة، وأن الفرد الذي يمتلك مقدرات ذكائية أفضل من غيره تبقى ثابتة لديه وغير قابلة للتعديل أو التغيير.

profjawdat@yahoo.com