أبواب - زياد عساف

كلمات مغناة ترصد واقع الحال بسخرية غايتها تسليط الضوء على ظواهر سلبية تعصف بالمجتمع بكل ما يعتريه من تقلبات اجتماعية وسياسية، يرافقها لحن بإيقاع سريع يمتاز بالخفة والرشاقة كي تألفه الأذن لتحقيق الغاية المرجوة بإيصال الفكرة لكافة فئات المجتمع،من هنا كان لابد من أداء غنائي تعبيري متقن بالصوت والحركة وهذا ما قد كان على أيدي مبدعين مهرة تعارف على تسمية الفرد منهم ب (المونولوجست).

مونولوج فكاهي..

«المونولوج» وكما تشير العديد من المصادر هو كلمة يونانية تعني (الأداء الفردي)، ومن هنا يطلق على أي لون غنائي يؤدى من شخص واحد بالمونولوج، كالمونولوج العاطفي، المونولوج الوطني، المونولوج الوصفي، وأيضاً المونولوج الفكاهي أي الأغنية الناقدة والساخرة بإطار كوميدي ضاحك، ومع الوقت بات يُطلق وصف المونولوج حصراً على هذا الفن الغنائي الساخر ويعتمد نجاحه حتماً بوجود، مونولوجست ذو موهبة حقيقية تمكنه من الإبداع في هذا اللون من الغناء.

ازدهر هذا الفن في مصر وأتيحت له فرص نجاح لم يحظ بها فن غنائي اّخر، خاصة أن البيئة الثقافية والاجتماعية في مصر مهيأة لازدهار الفنون عامة، ومنها وجد المونولوجيست فرصاً عديدة لإثبات حضوره من خلال المسرح الذي تضمن فقرات كوميدية غنائية بين الفصول،بالإضافة للمسرح الغنائي الذي ازدهر في مصر أيضاً وما يقدمه من أغان كوميدية ضمن العرض وكانت تستقطب جمهور المشاهدين اّنذاك، وفيما بعد لم يعد المونولوج يقتصر على فنان واحد وأصبح يقدم بشكل ثنائي وثلاثي،وبعمل جماعي أيضاً ضمن ما يعرف ب الإسكتش الغنائي.

روَاج..

وجد رواد هذا الفن ضالتهم أيضاً بتحقيق النجاح والشهرة من خلال الكازينوهات والصالات الغنائية التي كانت تخصص فقرات من المونولوجات الفكاهية وأصبحت من ضمن طقوس برنامج العروض الليلية،ومنها: كازينو بديعة مصابني وصالة ببا عز الدين وامتثال فوزي وانصاف رشدي وإحسان عبده.

وتوالت الفرص المتاحة لرواج المونولوج الفكاهي من خلال الإذاعات الأهلية والإذاعة الرسمية المصرية التي تأسست عام 1934 ما أوجد فرصة أخرى لتقديم فن المونولوج، ولكن بنسبة محدودة لأن نجاح المونولوج يعتمد على تعابير الوجه والحركة ولغة الجسد وهذا ما تعجز الإذاعة عن إيصاله للمستمعين بطبيعة الحال، من هنا كان الفضل الأكبر للسينما التي توفر هذه الخاصية خلافاً للإذاعة التي تعتمد على التعبير الصوتي فقط، وساهم الفن السابع برواج هذا اللون الغنائي بدرجة كبيرة وبفترة الأربعينيات والخمسينييات تحديدا إذ كاد لا يخلو فيلم من مونولوج أو إسكتش غنائي كوميدي.

فرسان الكلمة..

الكلمة المغناة وما تتضمنه من سخرية وحس فكاهي كان لها فرسانها والذين بدورهم كانوا العصب الرئيسي لرواج المونولوج الفكاهي أمثال: يونس القاضي، بديع خيري، ابوالسعود الإبياري، بيرم التونسي،أبو بثينة، عبد الغني النجدي وفتحي قورة. سلاسة اللحن ورشاقته كان عاملاً مهماً في انتشار المونولوج.

التَّميُّز الذي حققه ملحنون مبدعون بهذا الفن فرض نفسه على الساحة الغنائية لدرجة أن صبح فن المونولوج يضاهي ألوان الغناء العاطفي والطربي، عزت الجاهلي كان من أكثر الموسيقيين الذين تخصصوا بهذا اللون من حيث العدد،عدا عن أعمال جميلة تغنى بها من ألحانه كبار نجوم هذا الفن، منير مراد كان صاحب بصمة متميزة في الأغاني الفكاهية وتغنى بها نجوم الغناء العربي ممن تخصصوا بالغناء العاطفي والوطني إلا أنه برشاقة وخفة ألحانه قدمهم للناس بصورة فكاهية زادت من شعبيتهم ومحبتهم في قلوب الجماهير أمثال عبد الحليم حافظ وشادية، ولايمكن إغفال أسماء ملحنين اّخرين كان لهم بصمتهم في ارتقاء هذا الفن أمثال: محمود الشريف وأحمد صبرا وعلي إسماعيل.

رد اعتبار..

«إلعب وحدك تيجي راضي»، نصيحة شعبية متداولة اعتاد كثيرون الأخذ بها، وكانت طوق نجاة للبعض وجنبتهم عقبات هم في غنى عنها، قد تنطبق هذه النصيحة على العديد من المجالات، إلا أنه في مجال الغناء المؤدى من قبل الفرد الواحد أي المونولوج كان الأمر مختلفاً، فنجوم هذا الفن عاشوا حياة النجومية والمال والشهرة في البداية إلا النهاية لم تكن مرضية وعانوا من الفقر والأهمال بعد سنوات من المجد والرخاء.

ولعل تسليط الضوء على ما قدموه من منجزات هو بعض من رد الاعتبار لرواد فن المونولوج العرب عموماً، وفي الوقت نفسه يجعلنا نتعمق أكثر بجماليات هذا الفن الذي أسعد الملايين بفترة من الفترات وعلى امتداد الوطن العربي، ففي مصر وكما سبق كان لفن المونولوج حضوره العريق، وفي العودة لمجموعة من المراجع نجد أن الأرشيف المتوفر من هذه الأعمال يبدأ من عشرينات القرن الماضي رغم أن فن المونولوج في أرض الكنانة بدأ قبل ذلك بكثير، ويعتبر المؤرخون والباحثون أن سيد سليمان هو مونولوجيست مصر الأول،وهو فنان من أصل نوبي ويمتاز بخفة الظل وقدم العديد من المونولوجات الناقدة ما نبَّه الرقابة للتدقيق عليه وعلى كل المطربين فيما يقدمون من أغان بعد أن قدم سليمان مونولوجاً عن معاكسة الفتيات وظهوره بلباس رجل أزهري ما استدعى وزارة الداخلية للاعتراض على ذلك، ورغم تألقه كمونولوجيست إلا أنه لاتوجد له تسجيلات كثيرة والموجود منها يفتقد لوضوح الصوت نظراً للإهمال في فلترة وإعادة تسجيل أعماله.

يا حلِّة الرز الدافي..

التلميذ الذي تفوق على أستاذه هذا ما ينطبق على اسماعيل ياسين الذي بدأ حياته كمونولوجيست مقلداً لسيد سليمان وانتهى الأمر بالأخير لأن يظهر بأفلام اسماعيل ياسين ككومبارس، ويعتبر اسماعيل ياسين من رواد فن المونولوج بما قدمه من أغنيات ناقدة سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي، ولعل مخاصمة الوسامة له كانت من صالح الجمهور والمشاهدين كونه حاول أن يقتحم مجال الغناء العاطفي أسوة بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وطبيعة ملامحه لا تتوافق مع مواصفات ومقاييس المطرب الدون جوان اّنذاك، وعندما حاول ذلك تعرض لنقد ونفور الجمهور منه، إلى أن واتته فكرة في إحدى المرات بأن يغني لحن (يا وردة الحب الصافي) لموسيقار الأجيال ولكن في قالب فكاهي باستبدال كلمات الأغنية الأصلية بأخرى تبعث على الضحك، وأعادها للجمهور مبتدءاً المقدمة ب (يا حلِّة الرز الدافي) وعلى الوزن نفسه مع الاحتفاظ باللحن الأصلي من هنا كانت انطلاقته في هذا المجال وهو ما مهَّدَ له أن يصبح نجماً سينمائياٍ لسنوات عديدة لدرجة أنه كان أول من سمِّيت عناوين الأفلام باسمه كما هو معلوم ومنها: اسماعيل ياسين في الجيش والبوليس الحربي والطيران.

احتكار..

وفي سلسلة المنسي في الغناء العربي الصادرة في أبواب $ لكاتب هذه السطور تطرقنا في هذه السلسلة لسيرة ومنجزات أشهر نجوم فن المونولوج العرب المنسيين ممن سنتطرق لهم لاحقاً في هذا المقال، ونذكر من مصر مبدئياً وممن قدموا تنويعات من المونولوجات الفكاهية منها الاجتماعي والوطني والسياسي وفي مقدمتهم: شكوكو وعمر الجيزاوي وأحمد غانم وسيد الملاح وثلاثي أضواء المسرح، وتم الإشارة للصعوبة في بروز نساء يقدمن المونولوج الفكاهي لأنه فن ذكوري يحتاج لمجهود حركي وظهور بشكل يتنافى مع الأنوثة أحيانا ومثير للاستغراب كتسريحة شعر عجيبة وتعبيرات ساخرة على الوجه ومع ذلك ظهر مجموعة من النساء ممن تخطين هذا الحاجز وبرزن بهذا الفن أمثال: ثريا حلمي وسعاد مكاوي وسعاد أحمد وتيتا صالح ولبلبة.

سلامة الأغواني..

النقد وسعة الصدر ضدان مختلفان وقلة من يتقبلون لفت الانتباه لتقصير أو خطاء صدر منهم، ويكون الرفض شديدا لو جاء النقد على شكل مونولوج ناقد يتداوله الناس في أرجاء البلاد، ورغم الضريبة التي دفعها أغلب من ذكرنا من رواد فن المونولوج، إلا أن الفنان السوري سلامة الأغواني (1909–1982) في مقدمة من تعرضوا للعقوبات جراء مونولوجاته الناقدة، خاصة عندما تكون موجهة للمستعمر في بلده، فلقد تعرض للسجن من قبل المستعمر الفرنسي، ونفي إلى أفغانستان ومنعت السلطات الفرنسية من تداول اسطواناته ما دفع الناس لتدوالها بالسر، وتبقى الحادثة الأشهر في مسيرة الأغواني الفنية ما حدث بعد الغارة الإسرائيلية على دمشق أواخر عام 1947 ولم تحدث أضراراً تذكر وغنى الأغواني مستهزءاً:

«اليهود عملوا غارة.. ما حرقت ذنب حمارة »، ما استفزهم ودفعهم لشن غارة أخرى، وفي رصيده من المونولوجات ما يقارب ال 200، ونسبة كبيرة منها توجه سهام النقد للسلبيات الإجتماعية مثل احتكار التجار والبطالة والتبذير ونفقات الزواج المبالغ بها وعقوق الأبناء.

فنان الشعب..

ومن سوريا أيضاً كان الفنان رفيق السبيعي من أشد المتأثرين بسلفه الأغواني وبعد قصة كفاح طويلة ومريرة أصبح من أعلام الأغنية الناقدة في سوريا ومن خلال شخصية (أبو صياح) ابن الحارة الشامية، واستحق لقب فنان الشعب وكانت أغلب المونولوجات الخاصة به حول الواقع الاجتماعي وسلوكيات الناس كظاهرة تقليد الغرب وتعدد الزوجات والشعوذة ولعب القمار وعلى نفس المنوال قدم أغنيات وطنية، وعلى عكس الفنانين المصريين الذين ساهمت السينما بشهرتهم، كان رفيق السبيعي من أصحاب الفضل بتوظيف الأغنية الناقدة في السينما السورية كأغنية (شروال وميني جوب) 1973، وأغنية (الأتوستوب) بفيلم (نساء للشتاء) 1975.

ومن الفنانين السوريين الذين كانت لهم تجارب في هذا المجال :عبد اللطيف فتحي ودريد لحام وفهد كعيكاتي وأنور البابا، ويحسب للفنان ياسر العظمة بإعادته لإحياء الأغنية السورية الناقدة عبر سلسلة حلقات برنامج (مرايا) الذي بدأ بتقديمها منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي.

ختيار وصابغ شعراته..

يعتبرالشاعر والمغني اللبناني عمر الزعني (1895- 1961) المؤسس للأغنية الناقدة اللبنانية، وبسخريته اللاذعة تصدى بأشعاره ومونولوجاته للانتداب الفرنسي على لبنان، وبعد الاستقلال استمر في نقده لأداء الحكومات اللبنانية، وقدم هذا اللون فيما بعد نجيب حنكش وفيلمون وهبي، والفنان صلاح تيزاني والذي عُرِفَ عنه التزامه وعدم خروجه بأغانيه عن الأداب العامة ورصد بمجموعة من أعماله الظواهر السلبية في المجتمع اللبناني وعبر عن قضايا الناس وهمومهم، وفي لبنان كان هناك ندرة فيما يتعلق بالمرأة المونولوجيست أيضاً، واشتهرت بهذا اللون الفنانة فريال كريم وتطرقت ضمن مجموعة من أغانيها الناقدة للمشاكل الزوجة والحموات والحسد والغرور وللعجوز المتصابي في أغنيتها الخفيفة المرحة (ختيار وصابغ شعراته).

وعلى مستوى البلاد العربية برز مجموعة من المتميزين بهذا اللون أمثال: عزيز علي من العراق، احمد العامر الكويت، يحيى اللبابيدي فلسطين، فؤاد الشريف اليمن، حسن دردير السعودية، ومن الأردن حسن الحلبي.

أسباب التراجع..

يعود السبب الرئيسي لتراجع فن المونولوج أننا بتنا نفتقد من هم على شاكلة رواد هذا الفن الذين جمعوا بين الصوت الجميل والمقبول، وفي الوقت نفسه نجد أن أغلبهم ممثلون لدرجة الإحتراف، وبالتالي كانوا هم الأقدر في هذا المجال الذي يتطلب بطبيعته إتقان التمثيل والإيحاء بالصوت والحركة وتعابير الوجه، ما يعزز وجهة النظر هذه أن من أوائل من قدموا المونولوج في مصر ممثلون متميزون أمثال يوسف وهبي وحسن فايق وسار على هذا النهج فيما بعد فؤاد المهندس وأمين الهنيدي واّخرون من خلال أعمالهم الإذاعية والمسرحية والسينمائية.

غياب ووفاة نجوم هذا الفن من ملحنين ومؤلفين ومغنين ممن قدموا أعمالهم بعيدا عن الإسفاف والابتذال كان بمثابة بداية النهاية للأغنية الناقدة في الوطن العربي عموماً، وما زاد الطين بلة أن السينما لم تعد تهتم بهذا الفن بعد أن كانت الحاضنة له لأسباب تتعلق بالإنتاج واقتصار النفقات، واجتهد بعض المخرجين بالعودة وعلى طريقتهم بتقديم أغان فكاهية أو ناقدة بأصوات الممثلين الرئيسين بالفيلم، وخاض هذه التجربة محمود عبد العزيز وأحمد زكي وعادل إمام وأحمد اّدم ومحمد هنيدي ومحمد سعد، إلا أن هذه التجارب لم تقترب للاّن من روح زمن المونولوج الجميل.

ضربة قاضية..

وكانت الضربة القاضية لهذا الفن عندما تم حصره بتقليد المطربين والممثلين النجوم وإلقاء نكت بسرعة الصاروخ وتقديم أغان بلحن كسول وبإيقاع موسيقي مكرر وممجوج، وكلمات تخلو من أي معنى وأداء أقرب للصراخ الذي يصل لحد اللطم أحياناً.

كل ما سبق أدى لغياب المونولوجست ولم يعد يُسمع أو يشاهد إلا من خلال أعمال قليلة تتطلب تقديم مونولوجات وحسب متطلبات سيناريو مثل مونولوجات اسماعيل ياسين التي أُعيدت بطريقة الدوبلاج على صورة أشرف عبد الباقي وهو يؤدي شخصية سمعة بمسلسل (أبو ضحكة جنان)، الفنان نجاح الموجي أدى شخصية المونولوجست وفي أغنية (حنكورة) بفيلم (شوارع من نار) إنتاج 1984، وأدى الفنان صلاح عبدالله هذه الشخصية باقتدار بفيلم (الفرح) 2009 وعبر عن المعاناة والحالة التي وصل إليها المونولوجست من إهمال وعدم تقدير.

غنُّوا للكورونا..

يرى بعض المعنيين بفنون الغناء أن المونولوج لازال موجوداً ولكن بأشكال أخرى كأغاني شعبان عبد الرحيم وسعد الصغير وما بات يعرف بأغاني المهرجانات، إلا أنها تفتقد لصفة الالتزام التي كان يتمتع بها نجوم هذا الفن فيما سبق وعبروا بأغانيهم الكوميدية الناقدة عن أحلام وتطلعات الناس في كل الأزمات التي مرت بها أوطانهم، وفي كل الأحوال يبقى للجيل الجديد رؤيته الغنائية الساخرة في ما يستجد من أحداث كوباء كورونا وسارعوا بالتعبير عنه مؤخراً بهذه الصورة الإرشادية وعلى وزن لحن (الدلعونا) :

«دخلك خفِّف لي شوية تبويسك

واعزلِّي حالك إنت وتعطيسك

أوعى تبلينا وبلا تخبيصك

جسمي ما بيحمل مرض كورونا !».