وليد سليمان

«الحكمة الضائعة - الابداع والاضطراب النفسي والمجتمع» هو كتاب لمؤلفه الدكتور عبد الستار ابراهيم استاذ العلوم النفسية واستشاري الصحة النفسية والعلاج.

يُشيرالمؤلف في بحثه هذا الى ان الانتباه إلى مفهوم الضغط النفسي يساعد على حل الكثير من المعضلات والتناقضات التي خلفتها التفسیرات المرضية السابقة للعبقرية والابداع.

لذا فان قصة العلاقة بين المرض النفسي من ناحية والعبقرية والابداع من ناحية اخری تمثل في واقع الامر قصة تطور التفكير العلمي، وقصة الصراع بين التفكير الدارج والعلم خلال القرون الخمسة الماضية.. فمنذ قرون عدة شاع في الاذهان أن الاضطراب العقلي والجسمي يجدان مرتعا خصبا في الابداع والمبدعين.

ويقول: لقد تزایدت محاولات المفكرين منذ القرن السادس عشر والسابع عشر من امثال «لامارتين» و«بيرتون» و«لمبروزو» لتوجيه الاذهان والترويج لفكرة أن العبقرية تمثل شكلا من اشكال المرض النفسي والجنون!! وظل هذا الاتجاه راسخا خاصة عندما تبناه «فروید» ومن بعده المحللون النفسیون الذين تبنوا تقريبا اتجاه استاذهم بالنظر إلى المبدع الفنان كشخص انطوائي، ولا يستبعد أن يكون عصابيا كذلك!!.

فقد نظر «فرويد» إلى المبدع كانسان تسيطر عليه بطبيعته الاحباطات، ويعجز عن تحقيق الاشباعات الرئيسية في حياته، ولهذا فهو «او هي» يتجه للعمل الابداعي کاشباع بديل عما فقده في الواقع.

ومما شجع على ترويج فكرة أن الابداع مرادف للاضطرب شيوع خصائص تدل على الاضطراب والتصرفات الشاذة بين بعض المفكرين والمبدعين على مر التاريخ، ولم يعدم اصحاب هذا الرأي أن يجدوا لتأكيد توجهاتهم الفكرية حالات من اهل الفن والعلم والفكر, ممن اتسمت تصرفاتهم بالقلق والاكتئاب، والانتحار، والادمان.

وربما شجع على شيوع هذه الآراء الخلط الذي كان يشيع في فهم طبيعة المرض النفسي، والانقياد لاساليب من التفكير تشجع على التسرع في وضع الأحكام, واقامة علاقات سببية بين الظواهر المدروسة أنها لم تخضع للقواعد العلمية في الحكم والاستنتاج الا ما ندر.

وقد تتبع المؤلف في كتابه تيارين رئيسيين من تيارات دراسة العلاقة بين الابداع والشخصية، كان لكل منهما فضل کبير في تفهم طبيعة هذه العلاقة ومدی ما تتسم به من صحة او مرض.

التيار الأول استند إلى التطور في حركة القياس النفسي في علم النفس.. وبفضل هذه الحركة أصبح من الممكن وضع مقاييس للابداع في شتى مجالاته, والوصول إلى نتائج سريعة ودقيقة عما يتسم به المبدعون من خصائص مرضية او صحية.

اما التيار الثاني فقد استند إلى دراسة السير الشخصية للمبدعين. وعلى الرغم من أن دراسة السير الشخصية للمبدعين كانت من احد التيارات التقليدية السابقة علی نمو حركة القياس النفسي، فقد أصبحت من التيارات الرئيسية التي استند اليها الكُتاب والباحثون في اثبات وجود صلة أكيدة بين العبقرية والاضطراب.

إلا أن التطورات العلمية المعاصرة قدمت لاصحاب هذا المنهج كثيرا من وسائل الضبط المنهجي، مما أدى إلى كثير من التطورات المثيرة في دراسة العبقرية والشخصية. وبفضل هذين التيارين من التفكير امكن الوصول إلى حقائق ووقائع اوجزها الدكتور عبدالستار بما يلي:

- تثبت الدراسات المعاصرة في علم النفس أنه لا صحة للفرضية التي ترى أن المريض العقلي يتسم بالابداع او العكس.

- وعلى الرغم مما قد يتسم به بعض المبدعين من غرابة في التصرفات والسلوك، وعلى الرغم من وجود حالات من القلق والاكتئاب لديهم فان اضطراباتهم هذه لا تصل إلى درجة التشوش الذهني، والاضطراب العقلي اللذين نجدهما عادة بين المرضى النفسيين والعقليين.

- ثم ان المبدعين يتميزون بخصائص ايجابية لا نجدها بين العاديين، كما لا نجدها بين المرضى، فهم يميلون إلى الاستقلال في الحكم والرأي، وهم اكثر تقبلا للعقائد والأفكار المختلفة. ويجمعون خصائص قد تبدو للعين غير المدربة على الابداع والخلق كما لو کانت متناقضة.

فمثلا تجدهم يميلون إلى الجدية ولكن من دون التخلي عن المرح والفكاهة، وهم متواضعون ولكنهم يعتزون بانفسهم في الوقت نفسه، وميالون إلى الوحدة والعزلة من دون التخلی عن حب الناس والميول الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن هذه الخصائص قد تبدو متناقضة وغريبة، اذا نظرنا اليها من وجهة نظر شيوعها بين من هم اقل ابداعا، فانها خصائص تعد في عمومها ايجابية، ولها وظيفة فعالة في خدمة المبدع, وتنمية طاقاته واغناء عالمه الشخصي والاجتماعي.

- ثم ان دراسة السير الذاتية للمبدعين «خاصة الذين كانوا يوصفون بالاضطراب والتوتر»، بينت أن الابداع وعمليات الخلق والإنتاج الفني والعلمي الذي قاموا به تمَّ وهم في احسن حالاتهم، اي في الفترات التي خلت حياتهم خلالها نسبيا من الاضطراب.. وقلَّ انتاجهم كماً وكيفاً في الفترات التي كانوا يعانون فيها من الاضطراب والتوتر والمرض.

اي أن المرض العقلي النفسي والمرض البدني كليهما يقلل من فرص الابداع والخلق, على عكس ما ادعته النظرة القديمة.. وبعبارة أخری فان المبدع ينتج افضل اعماله ويكون في احسن حالاته انتاجا عندما يكون في احسن حالاته الصحية بدنيا ونفسيا.

- وتتوقف نسبة انتشار الأضطراب النفسي او العقلي بين المبدعين بحسب تخصصاتهم، اذ تزيد النسبة بين الفنانين أكثر من نسبة انتشاره بين العلماء والساسة.. بعبارة اخری يقترن ظهور الاضطراب بموضوع الابداع فالموضوعات الابداعية التي تتطلب تعاملا مع المشاعر. والأغراق في الرؤى الذاتية قد يكون من شأنها ان تخلق ضغوطا انفعالية شديدة على الشخص المبدع، ومن ثم الاضطراب والتوتر.

- كذلك فدراسة حالات الانتحار بينت ان نسبته بين المبدعين كانت اقل من نسبته بين العاديين وفق احصائيات منظمة الصحة الدولية، مما يدفع التصورات الدارجة بان نسبته اعلى بين المبدعين، وهذا يدل على اخطاء التفكير بين المؤرخين والنقاد والمفكرين الذين كتبوا في هذا الموضوع.

- وعادة ما توجد لدى المبدعين المصابين بالاضطراب النفسي اضطرابات اسرية وشخصية اخری، كالادمان على الخمور أو العقاقير، أو معاناة احد افراد اسرتهم المقربين من اضطرابات مماثلة.. وهذا يعني ان الأعراض والاضطرابات المرضية التي يعانونها قد تكون لأسباب أخرى ليس لها علاقة بعبقريتهم وقدرتهم الابداعية.

- وبفضل تطور ونمو مدارس العلاج النفسي والمعرفي، انطلق المعالجون في ممارسات نشطة هدفها توظيف القدرات الإبداعية في العلاج النفسي.

وثمة ما يثبت ان تدريب المرضى النفسيين والعقليين على استخدام طرق التفكير الابداعي ادى إلى تحسن مستوى الصحة النفسية لديهم، وبهذه النتيجة لم يعد من المقبول أن نركز بحوثنا على ما اذا كانت العبقرية تدفع إلى الجنون او العكس.

انما اصبح الأمر الاهم هو البحث عن الامكانات الهائلة التي يمكن لعملية صقل القدرة الابداعية والتدريب أن تسهم من خلالها في تنمية القدرة على مواجهة مختلف المعضلات النفسية والعقلية التي يعاني منها شخص ما.

وبفضل هذه الدراسات والثغرات التي نلاحظها على موضوع الربط بين الإبداع والمرض العقلي استبدل الرأي القديم بان الابداع والعبقرية تقودان للجنون برأي اخر اقرب إلى الحقائق المتجمعة.

وهو أن المبدع يستمر في انتاجه وابداعاته على الرغم مما قد يتعرض له من احباط واضطراب وليس بسبب هذا الاضطراب.

ومن ثم وبهذا المنطلق أصبح من الأنسب أن تأخذ هذه القضية منعطفا اخر.. فمن الأخطاء التي ارتكبتها التفسيرات السابقة انها ربطت سببياً بين الابداع والمرض النفسي، لانها خلطت بين مفهوم المرض النفسي ومفهوم الاستجابة للضغوط النفسية او الاجتماعية.

لذا ان الانتباه الى مفهوم الضغط النفسي كما يبلوره علم النفس الطبي المعاصر سيساعد على حل كثير من المعضلات والتناقضات التي خلفتها التفسيرات المرضية السابقة للعبقرية والابداع.

فثمة ما يشير الى ان الخطر الحقيقي الذي يواجهه المفكرون والمبدعون هو التعامل مع الضغوط والمجهدات التي تتراكم عليهم، اما لأسباب شخصية واما لأسباب خارجية.

وبالنتيجة أن التدريب على مواجهة هذه الضغوط والتعامل معها بفاعلية امر ممكن والهدف منه توجيه الطاقة الابداعية توجيها صحيا بحيث يطلع المفكر الأبداعي على الامكانات الهائلة التي تعود عليه اذا تدرب على مواجهة مختلف الضغوط، ومن ثم استعادة قدرته على صيانة قدراته الابداعية ولیس هدمها، انطلاقا من افكار قد لا تكون صحيحة في عمومها، وقد لخص المؤلف برنامجه العلاجي من خلال محاور اساسية أمكن حصرها على النحو التالي:

معالجة الضغوط البدنية والاجهاد العضلي.

تعديل اسلوب الحياة «التدخين، الادمان، الصراع المهني».

تجنب الطرق غير العقلانية في تفسير الامور التي تحبب لبعض المبدعين معاناة بعض الاضطرابات، والصراعات التي ان لم تكن مدمرة لمواصلة العمل الابداعي على المدى القصير، فانها تمهد لسلسلة من الاضطراب النفسي الذي قد يتداخل على نحو ما في اجهاض القدرة الابدعية على المدى الطويل.

التعامل مع الانفعالات السلبية كالغيرة المهنية والغضب، والقلق والاكتئاب.

تنمية المهارات الاجتماعية، بما فيها توجيه العلاقات مع الاخرين وجهات ايجابية، وتنمية مهارة الحسم وتأكيد الذات، والتنويع في اداء ادوار اجتماعية ملائمة.