محمد علي فالح الصمادي

عندما سأل المراسلُ الحربي الجنديَّ في جبهة القتال: «كيف تدافع عن وطنك؟»، أطلق عليه الرّصاص! السؤال الصعب هنا: كيف ألتقط الصور.. من أيّ زاويةٍ؟ كيف نختار اللحظة؟ متى ترضى عن صورتك؟ أسئلةٌ كثيرةٌ لا أجد إجابة لأيٍّ منها..

عندما يكون هناك نشاطٌ ثقافيٌ، أجدني أبحث عن مكانٍ أقتنص فيه صورةً تعبّر عن حالة الشخص؛ شاعراً، قاصاً، ناثراً، محاضراً، ومقدماً.. أتجول دون إرادةٍ في وجوه الجمهور أبحث في صورهم، أصنفهم.. وكثيراً ما أعتبرني خرجت من المعركة أو الحادثة منتشياً.. فرحاً.. محتاراً.. ناقماً.. وراضياً.

لكل رحلةٍ مسافاتها وأحوالها. المصور طبيبٌ يستعرض الحالة.. يشخّص الواقع، ويصف العلاج.. المصور يمكنه أن يحرّك الواقع فيغيّر الفارس شاعراً ومبدعاً.. نصاً ومكانَ نص.. وحديثاً يعتقد أن الكاميرا تجسد القول إليه.. وكنت أحيانا عند استرجاع الصّور بعد أيّ فعاليةٍ أصنف الجمهور؛ متلقّياً واعياً، وآخر جاداً ليكون فارس الفعالية القادمة، وهناك من يبحث عمن يأخذ بيده في الإبداع والكتابة.

الصّورة عملٌ توثيقيٌّ يبحث في النّوع الأدبيّ ويصنّفه، وكثيراً ما كنت أكتب بالصورة قصيدة وقصة أو ومضة أو أوثق الفراغ.. ما عدت ساخطاً على احتفال لكبار المبدعين أو منبهراً من فعالية لمبدعين شباب أو على مسافة قريبة من الإبداع.. وكنت ألعن الثقافة إذا وجدت مبدعاً يكرر نفسه في أكثر من لقاء فأعود والصورة بصيدٍ هزيل! حينما أعود تقرّر زوجتي قيمة الفعالية وأهميتها ونوعها.. «لا عليك.. ليست كل الفعاليات واحدة»، خاصّةً عندما أعود بعد ساعةٍ واحدةٍ من بدء الفعالية.

كثيراً ما كنت أصوّر الحوار.. في كلّ هيئةٍ ثقافيّةٍ مجموعةٌ تدلي بدلوها في كل موضوعٍ.. وتتناوب في نقل الحديث من شخصٍ إلى آخر.. أحجمت أحيانا عن تصوير كلماتهم الركيكة ومداخلاتهم المكرّرة.. وهناك من الجمهور من كان ينشغل بالهجوم في نهاية الفعالية ليظهر الأخطاء في الفعالية أو ليسجل موقفا!

لم أكن عاشقاً للتصوير في البداية، لكنّ التصوير وثيقتي الثقافية، وكم أخذني التوثيق الضوئي من الكتابة.. التصوير الإبداعي ضدّ الأجناس الأخرى.. كانت العدسة تحاورني.. أكتب قصيدةً في الصّور.. أرسم لوحةً في الصّور.. أصرخ.. أعارض.. لا أحدّد موقفي من تداخل الأجناس الأدبيّة.. الصورة كالنّقد ربما تشير إلى ميلاد شاعرٍ جديد.

الصورة مرآةٌ بما تؤكّد على مكانة شاعرٍ مجيدٍ أو مبدعٍ جديدٍ.. الصورة عندي تنحاز إلى الشعر.. الصورة ديوانٌ موازٍ للشّعرٍ.. الصورة تتابع شخصيات القصة وانفعالات المبدع.. كنت حريصاً على ألّا أتّخذ موقفاً من مبدعٍ، غير أن عدستي كانت تصنّف الأعمال الإبداعية: مشاركة جيدة والإلقاء ضعيف، نصّ ضعيف والإلقاء يلغي السّقطات في النصّ، عمل مكتمل، تجربة ثمينة تستحق الحضور، استخدام مصطلحات تستقطب الجمهور، اعترافات لا ضرورة لها..

كل خبراتي في العمل الثقافي كانت لي عوناً منذ عام 2010 حين اشتريت أوّل كاميرا.. ثقافة الصورة كانت خياراً مؤلماً، فقد وجدت نفسي منحازاً إلى تصوير شخصياتٍ ثقافيةٍ وفعالياتٍ وندواتٍ ومؤتمراتٍ، وكان اهتمام جامعة فيلادلفيا وجامعة جدارا وجامعة عجلون الوطنية على وجه التحديد دافعا للاستمرار، وحظيت باهتمام ثلّةٍ من أهل الفضل والعلم والمعرفة، ووثّقت حوالي 9900 نشاط وفعالية في إربد وعجلون وجرش والمفرق وعمّان.

الصّورة شكّلت فضاءً واسعاً وأفقاً حضارياً متعدد المستويات.. لم أنسلخ رغم انشغالاتي عن قضايا المجتمع والأمة والإنسانية.. وكلّ ذلك أسّس بناءً فكرياً وحضارياً سعيت إليه وطوّرته بالرؤى الإنسانية رغم أننا كمثقفين عرب نعيش واحدةً من أسوأ الفترات في تاريخنا الإنساني بفعل ثوراتٍ لم تكتمل أو أقصيت نتائجها وغُيّرت أهدافها رغبةً منا أو افتراءً علينا.. تغيّرت مسارات الثورات العربية فضللنا الطريق.. الصورة هي أنا، والآخر الذات والمتلقي..

حاولت أن أحافظ رغم كلّ شيءٍ على إرثٍ حضاريٍّ وفعلٍ ثقافيٍّ ينحاز للوطن والأمة والإنسانية مؤثّراً ومتأثّراً. حاولت من خلال إدارة وتوثيق الفعل الثقافي تحليل خطابي الثقافي وحريّتي الإبداعية وشكّلَت الصّورة شخصيتي الثقافيّة ونالت من صحتي ووقتي الكثير.. الصّورة عندي كانت ذات تأثيرٍ بالغٍ في تربية الأجيال.

في العمل الإبداعيّ ربما نعيد ما كتبه الآخر.. ربما نوظّف الإبداعات الأخرى في كتابة النّص.. في الصّورة عالمٌ مختلفٌ.. كل صوره عملٌ جديدٌ وتجديدٌ.. في كل صورةٍ هناك محاولةٌ لكتابة نصٍّ بطريقةٍ جديدة.. في الكثير من المواقف أحاول أن أعيد للصّورة قيمتها.. الصورة عملٌ إبداعيّ مستقلّ ترتقي وتتطور مع وعي المثقفين والمبدعين بأهمية الصورة وقيمتها وأثرها الاجتماعي ودلالات الجمال وفنية الصّورة.. كل الفنون الإبداعية بحاجةٍ إلى التصوير لتوثيقها، وتعدّ الصورة مادةً لتوثيق الحياة وإنجاز أيّ مشروع حضاريٍّ وإبداعيٍّ.. من دون الصورة كيف نوثق العزف والرسم والتمثيل؟

تتطور الأجناس الأدبيّة والإبداعية، ويتطور التّصوير وأدواته.. وكان لتطوير آلات التّصوير فضلٌ على المنتج الإبداعي للتّصوير. في رحلة التّصوير أحاول الإجابة عن كثيرٍ من الأسئلة مبتعداً عن الإطار النظري لثقافة الصّورة.. لاعب كرة القدم معنيٌّ بالدفاع عن المرمى ورفع اسم فريقه وتحقيق النصر، حتى وإن كان مريضاً.. وأنا معنيٌّ بصيدٍ ثمينٍ من كل رحلة تصويرٍ.. أعدّ العدسة المناسبة، وأختار المكان المناسب، وأضبط الكاميرا على الإعدادات الملائمة.

الأماكن الضيقة تستفزني.. أبحث عن الألوان الزاهية المبهجة في ملابس الذين أحتفي بهم.. أقرأ قبل كل أمسيةٍ أو مؤتمرٍ سلبيات وإيجابيات المكان.. يوم التصوير أنشغل بإعداد العدسات وشحن بطارية الكاميرا وأحرص أن يكون معي أكثر من ذاكرةٍ احتياطية للكاميرا.. وزّعت صوري على وسائل إعلام ورقيّة ولم يحفل أيٌّ منها بالإشارة لاسمي، وفكرت بتوثيق صوري رغم صعوبة ذلك؛ فكيف أوثق مئة ألف صورة؟ هذا يحتاج لأكثر من جهاز حاسوب، ولا أعتقد أنّ الوطن العربي فيه مراكز إعلامية متخصصة توثق الصورة.

الصورة عندي هي طموحٌ، وأستعيد ما أوصى به المشاركون في المؤتمر الدولي الثاني عشر لجامعة فيلادلفيا «ثقافة الصور في الإعلام والاتصال»، لكن بعد أكثر من عشر سنواتٍ على انعقاد المؤتمر لم أجد أيّا من التّوصيات قد تحقّقت.

ومن هذه التوصيات: ضرورة الاهتمام بتوثيق الصورة في خدمة القضايا العربية ونصرتها، العمل على حماية الإنسان من إساءة استخدام الصورة وذلك بالتأكيد على أهمية الجوانب الأخلاقيّة والقانونيّة..

وللأسف، لم تدافع أيّ من وسائل الإعلام عن حقّي ولم تعترف به.. ولم أجد منبرا يؤكد على حقّ الموثق والمصور بوضع اسمه إلى جانب صوره.

كنت بعد نشر أيّ فعاليات وتوثيق صورها أنتظر حواراً لتطوير ذائقتي الفنيّة والنقديّة، وأصبحت حريصاً بعد أن تلقيت تدريباً متخصصاً في معهد الإعلام الأردني، على التقاط أكبر عددٍ من الصور في الفعاليّة الواحدة، لأني سأجدني محتاجاً إلى صور جديدة تدعم فكرتي، وإذا فقدت ما كنت أسعى إليه سيكون من الصعب أن أعود للمكان نفسه وأحصل على صور بالظروف السابقة، خصوصاً في الفعاليات المتخصصة أو المتغيرة.

لقد جعلتني تلك الدورة أشعر بمسؤولية أكبر، وأصبحت صارماً في تطبيق المعايير التي ألتزم بها، وكنت قبلها أكثر حريّةً وأقلّ التزاماً.. وقد زودتنا الدورة بمهارات التّصوير الضوئيّ وتصوير الفيديو وإنتاج التقارير الإخباريّة والخبر المصوّر بشكلٍ عامّ. وعلى كل حال، أعتقد أنّ الدّور الذي تنهض به الصورة ما زال غير معترَفٍ به أو ملتفَت إليه.

ما زلت أحتفظ بكثيرٍ من الصور التي ربما ليست جيدةً أو لا تؤدي الغاية المأمولة، ولأنني كاتب للمقالة والقصّة الإخباريّة، تداهمني أفكارٌ كثيرةٌ وأحاول أن أستخدم الصّور في كتابة نصوص إبداعية. وأتساءل أحيانا: هل أكتب رواية الصّورة؟ وهل تحتمل روايتي الجديدة «مصور أعمى» كل هذه التناقضات والانفعالات؟

* كاتب ومصور فوتوغرافي أردني