سلّطت التصريحات الإستفزازية التي أدلى بها الرئيس «السابق» للرباعية الدولية البريطاني توني بلير, الأضواء على طبيعة الدور الذي أنيط به من قِبل الولايات المتحدة, «مكافأة» له على مشاركته الفاعلة إدارة بوش الإبن في غزوهما المُشترَك للعراق عام 2003، ما سرّع إطاحته من زعامة حزب العمال الحاكم, الأمر الذي «أزعج» بوش فقام في يوم إطاحة بلير (27/6/2007) بتعينه, لمُواصلة انحيازه المُعلَن للرواية الإسرائيلية وتكريس علاقاته السيئة مع السلطة الفلسطينية, حتى «استقالته» في 30/6/2015. أي أنه قضى ثماني سنوات دون أن تُسفِر «جهوده» عن نتيجة تُذكر، إلى أن خرج علينا مؤخرا كاشفاً المهمة القذرة التي انتدبته لها واشنطن باسم الرباعية الدولية...المُغيّبة أميركيّاً بعد تفرّدها بـ«الوساطة», وتهميشِها باقي الأعضاء الذين لاذوا بالصمت.

قال بلير في مؤتمر لصحيفة «جيروسالم بوست» الصهيونية:«يجب أولاً إحلال السلام بين الدول العربية وإسرائيل, جازما:(التطبيع أولاً, وبعد ذلك يجب إدراج القضية الفلسطينية)، مُستطرِداً رداً على سؤال عن «إمكانية» استئناف مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين المُتوقفة منذ 2014 بالقول:«يجب أن نُحاول إقناع جيل من السياسيين الفلسطينيين، بأنَّ السبيل الوحيد للحصول على دولة, هو من خلال تفاهم عميق وحقيقي بين الناس وبين الثقافات, وليس فقط عبر مفاوضات حول الأراضي».

هذا ما يقوله الوسيط المُحايِد (على الطريقة الاميركية بالطبع) الذي اعترف بأنه منذ ترك منصبه, زار إسرائيل ودولاً خليجية وعربية أخرى «250»مرّة, ما يعني وفق تسريبات أميركية بريطانية انها لم تقتصرعلى «البزنس» وصفقات الأسلحة وتدبير اللقاءات السرِّية ونقل الرسائل بل أكثر من ذلك, ما دفعه للتفاخر بما أنجزه وبخاصة تلخيص «رؤيته» للصراع الفلسطيني/الإسرائيلي:"هذا الصراع لا يتعلّق بالأرض, لكنه يتعلّق بـ(قبول الآخر)».

لم يكن بلير وحده من عمل على ترويج الرؤية الصهيواميركية, بل سبقه كثيرون (ولن يكون آخرهم).. مثل الأميركي دنيس روس الذي حَفلتْ مذكراته بـ«بوح» كثير عن «رؤيته» هو الآخر للصراع, خاصة عن إسهام الإرهاب الفلسطيني (كما القادة الفلسطينيون) في «إحباط قيام دولة خاصة بهم», وهو لم يتوقّف للحظة.. حتى بعد استقالته كمبعوث أميركي لـ«السلام», الدفاع عن الرواية الصهيونية وتحميل الفلسطينيين المسؤولية, لرفضِهم «تهيئة شعبهم للتوصّل إلى حلّ وسط, كما كانت عليه الحال مع عرفات وخطة كلينتون، بل – يُضيف روس في مقالته له في صحيفة (ذي هيل) – تَقبُّل كل ما يجب أن تُعطيه إسرائيل, ورفض كل ما يُطلَبْ من الفلسطينيين, ولا يزال محمود عباس وفيّاً لهذا الموقف. (ختم دينيس روس مقالة شارَكه فيها ديفيد ماكوفسكي).

كأن إسرائيل في صدد إعطاء شيء. تماما كواشنطن التي تدعو «رؤية» ترمب المُسمَّاة صفقة القرن إلى سلام مقابل السلام, مع رفع مزعوم لمستوى معيشة الفلسطينيين في المعازل والكانتونات التي ستكون عليها الأراضي التي «ستتنازل» عنها إسرائيل.

سيرة البريطاني بلير حافلة بالفضائح وأرقام الرشى وسمسرات الصفقات التي رتّبها, وتبعية الأميركي روس للوبي اليهودي مَكتوبة على الجدار, ومع ذلك ثمَّة بين العرب من يَمتدِحهما ويثمِّن مواقفهِما ويبسط السجادة الحمراء...لهما.

هل قلتم الفرنسي نيكولا ساركوزي و«ملايين» القذافي لتمويل حملته الإنتخابية؟

kharroub@jpf.com.jo