د.نادية هناوي

عادةً ما يتشكل الوعي الجمعي من مجموعة أفكار استعارية ذات مرجعيات فكرية معينة، وهو ما سماه «بندكت اندرسن": «الجماعات المتخيلة»، وقصد بها جماعات كبيرة تحتاج أن تعيش متوازية مع جماعات كبيرة أخرى، وقد تقلصت المسافة في ما بينها؛ بيد أن «هومي بابا» وسَّع حدود هذه الجماعات متأثرا في ذلك بأفكار «والتر بنيامين» عن «الزمن الفارغ المتجانس» وكيف أن لحظة زمنية مشتركة لصورة مكان جماعي مشترك ستنبثق عنها نزعة ليس فيها سيادة أو استقلال لثقافة قومية ما؛ لتسوح من ثم ممتدة بجذورها في زمن فارغ متجانس من الحداثة والقدم.

وبالجماعة المتخيلة بصبح للتعايش الثقافي وجه آخر غايته تحقيق المنفعة المتبادلة عبر تقليص الفوارق الطبقية والعرقية واللغوية والحضارية. ومن ثم تصبح الممارسات الاجتماعية ممكنة يتقدمها الإحساس الصميم والمشترك بالمشروعية في التعايش والتمركز.

ولا عائق يقف في وجه تعايش الجماعات، ما دام التعدد قائما في الثقافات ومتجسدا في الكينونات، وبهما معا يتحقق ما يسميه «جون ستيوارت ميل»: «نمو الإمكانية في مناوأة التشتت المكاني وتعدد اللهجات» مع تنامي الوعي بالقواعد الـخلاقية التي تمنع البشر من إيذاء بعضهم بعضا كمبادئ أساسية وحيوية تحقق الرفاهية للبشر أكثر من أي مبادئ أخرى.

وإذا كان مفهوم التعددية الثقافية ينطبق على الشتات المهاجر واللاجئ؛ فإن مفهوم الجماعة المتخيلة ينطبق أكثر على الشتات المهجر والنازح، وهو ما نجده في رواية «باب الطباشير» لأحمد سعداوي والصادرة عن منشورات الجمل (2017) والتي يشير عنوانها الفرعي (سبع تعاويذ سومرية للخلاص من هذا العالم) إلى التعايش في شكل جماعة متخيلة، تجعل البطل متجولا زمانيا في تسعينات القرن الماضي وأعوام ما بعد 2002 وثابتا مكانيا في العراق المحتدم بالحرب والحصار.

ويجد «علي» (بطل الرواية)في التخيل مهربا، به يتمكن من مغادرة واقع مزيف: «علينا أن نعيش داخل أثوابنا التي فُصِّلت لنا» (ص45)، منتقلا إلى عوالم ستة يكون فيها كلها شتات، فمن الزنزانة التي كان فيها هو الميت الحي وقد تناوب الصوت السردي بين المتكلم والمخاطب، إلى الواقع الذي صار فيه هو المنتمي واللامنتمي في جمعية المنتحرين وقد هيمن الغياب على الصوت السردي وبدا العالم متغيرا.

والبطل في كل عالم يجد نفسه فجأة أمام بوابة عالم جديد أو «فقاعة زجاجية أخرى»، يمثلها هذه المرة السجن، فيعود صوت الخطاب ليهيمن على البناء السردي، وقد ازدوجت ذات البطل بالعالم فهو «المتجول بين العوالم»، وهو المسجون داخل نفسه: «ماذا عن سجنك أنت.. ها أنت محبوس في جسد هامد» (ص80).

ويصل البطل في منتصف الطريق إلى «عالم السديم» الذي هو عالم المنفى الذي يتماهى فيه ما هو واقعي بما هو حلمي، فيصير العالم هو الجنة حيث البساط الأخضر الممتد الذي لا يتغير لونه وكأنه ملعب «غولف» واسع تارة، وتارة أخرى هو النار والسديم والاغتراب والعزلة: «إننا لا نقيم فيه، إنما هي سنة النوم التي قد تمتد لبضع ساعات خلال الليل وحالما نصحو نفقد الصلة مع هذا العالم ويبدو لنا وكأنه نجرد حلم جميل. الأشياء الجميلة مثلما تعرف تكون زائلة.. أما استمرارها فيؤدي إلى الاعتياد ثم تفقد الشعور بها.. ومن السهل بعدها أن ننظر إليها?في حالات معينة وقد غدت جحيما وقيدا» (ص212).

وما التمازج بين صوتي الخطاب للمفرد والتكلم باسم الجماعة سوى تمثيل تعبيري عن الجماعية المتخيلة التي تسبب لذهن البطل ازدواجا ثقافيا. ويكاشف السارد بطله بحقيقة ما يعانيه وأن مشكلته هي الهوية التي يريدها معبّرة عن ذاته لكن هيهات والجماعية المتخيلة تهيمن على ذهنه. ولا تنفع عمليات الاسترجاع والاستذكار في التخلص من هذه الهيمنة. وهنا ينتقل البطل الى عالم الماضي مستعيدا مصائر البشر منذ آدم وحواء وهما يتركان البستان ليعيشا مستنسخين في أرض بور، ثم جلجامش وارتحاله إلى نسخته الخالدة غائصا في البحر ومنتزعا عشبة الخلود، ?كنه «نام على الجرف واستيقظ ووجد أن العشبة اختفت أو أكلتها الأفعى كما يقال.. لماذا لم يرجع ليغوص ثانية.. أتعرف لماذا؟ لأن كلكامش الخارج من البحر كان قد انتقل إلى الخلود فعلا» (ص216).

ويغدو كل باب من أبواب هذه العوالم الستة باباً من طباشير، ما عدا العالم السابع والأخير الذي عنوانه «حفرة الأرنب»، وفيه يصير السرد واقعيا وتسجيليا موثقا، فيه ينشغل السارد بوقائع مبالغ فيها، تتعلق بهجرة العراقيين الجماعية بين عامي 2002 و2004، فيستغرق السارد في ذكر تلك الوقائع، ومنها مثلا أن عدد المهاجرين العراقيين الذين يسميهم «الشعب الحر المقيم خارج بلده» قد بلغ العشرين مليون مهاجر،وأن الباقين هم سبعة ملايين فقط.

وبسبب ذلك الاستغراق يغيب البطل عن السرد، بينما يستطرد السارد بالتسجيل الواقعي لمسائل اللجوء والإقامة وتبعاتهما: «وبقي نحو سبعة ملايين نسمة الجزء الأكبر منهم مؤمنون عقائديون لأن لديهم دائما أجوبة جاهزة رومانسية الطابع.. فالكثير من المهاجرين استقروا الآن.. إنهم شعب كامل أكثر ممن بقي في البلد.. يشعرون بانسانيتهم وأنهم أحرار في قول وفعل ما يشاؤون لأول مرة في حياتهم» (ص240)، مع حديث مطول عن مسائل النفط المخزون في العراق، وأزمة نقص الوقود في العالم، والقوة العراقية الأممية، وشركات متعددة الجنسيات، وجمعيات ممولة ?رؤوس أموال يديرها عراقيو المنفى، واستطراد في تأويل مقاصد هذه الشركات والجمعيات.

ومن استطرادات السارد كلامه المؤدلج والطويل عن الوطن الذي صار طاردا، والمنفى الذي هو جاذب، وكيف أن العراق أرض مليئة برفات أرواح تعود من جديد متلبسة تمارس من خلالهم حربا لتستمر عملية العنف والقتل والدوران. الأمر الذي شجع الذين بقوا في البلد على الهرب.

وهذا الاستغراق في التسجيل الوقائعي والتفسير السياسي أحدث خلخلة واضحة في تحبيك السرد في الرواية. فبعد كل ما تقدم نجد السارد يعاود استكمال قصة بطله وقد صار نزيل المصحة النفسية هاربا من حرب أهلية ومعارك طائفية. وباقتراب الرواية من الختام تظهر شخصية عالم الآثار (الدكتور واصف) وقصة عثوره على الجرة السومرية وما في التعاويذ السبع التي فيها سر يجعل البطل يختار أميركا مهجرا، واجدا أن ذاته المتفردة صارت بين أمرين لا ثالث لهما؛ فإما أن تموت، وإما أن تهاجر. فيختار «عليّ» الهجرة.

واتفاق النهاية السعيدة مع ما تقصّد أحمد سعداوي تضمينه داخل الرواية من مسائل فكرية ووقائعية، أحدث شرخا آخر في بنية الرواية. وهو ما حال دون بلوغ الكاتب غايته المتمثلة بتغليب وجهة النظر الأيديولوجية، فوقعت الرواية في الاستطراد المسفّ الذي فيه الأفكار تُطرح بتقريرية واضحة من دون أن تعالج معالجات فنية.

ولو أن الكاتب قلّل من حماسته للهجرة، وتأنّى في جعل البطل هو الذي يتحمس لها، لنجح في تمتين وشائج التحبيك ولبدتْ خاتمة الرواية مقنعة ومنطقية.

(ناقدة وأكاديمية عراقية)