جمال عياد ناقد مسرحي

أحدث ظهور وباء الكورونا متغيرات كبرى في الأنماط الأنسانية، والمزاج العام لدى البشر، وكيف لا، إذا كان سبباً في ظهور حالات من الخوف والرعب في أحاسيسهم ومشاعرهم، بفعل عدواه التي اجتاحت عقول البشر من تداعياته المميتة كما صورها على الأقل الإعلام المبرمج على مستوى العالم.

وبغض النظر عن مسببات هذه الجائحة، إلا أن كافة البلدان أخذت تنحو لأخذ الاحتياطيات اللازمة لتكريس أنماط من الحماية لمجتمعاتها أفراداً وجماعات، فبتنا نكرس ظاهرة التباعد الاجتماعي، بأشكال متعددة.

ومن ذلك متابعة التظاهرات الفنية عن بعد؛ وفق التقنيات الالكترونية المتعددة الأشكال، عبر المنصات والألواح الألكترونية، أو المتابعة عبر الشاشات التلفازية وغيرها في البيوت.

فالمهرجانات، كمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، الذي أقيم في بداية الشهر الجاري، جاءت عروضه وفق أسلوبين الأول المسرحيات التي تابعها الجمهور في القاعات وفق نمط التباعد الاجتماعي، والثاني المشاهدة عن بعد، وفق منصات الكترونية، سواء كانت في داخل مصر أو في مختلف أنحاء العالم.

وكذلك كما حدث ضمن فعاليات مهرجان ليالي المسرح الحر في دورته لعام 2020، في العشرين من الشهر الجاري في عمّان، فقد تم التفاعل معه عبر المنصات الألكترونية سواء على المستوى المحلي أو العربي أو العالمي.

وفي هذا السياق، يعتقد أنه في الأيام المقبلة سيشهد العالم تواصل ظهور المسرحيات الرقمية، التي ظهرت فكرتها في أعمال قليلة في الأعوام السابقة ضمن الميديا على مستوى العالم. ضمن حل إشكالية التصدي لفكرة التباعد الاجتماعي التي باتت العامل المشترك في مختلف القارات الخمس، لأهميتها القصوى في وقف وباء الكورونا.

حيث سنشهد تواصل المسرحيين من مختلف أقطار العالم للإشتراك في صناعة مسرحيات، عبر الحواسيب، وقد يشارك في كل واحدة منها العشرات أو ربما المئات أو اكثر، وسوف تستمر المشاركة فيها أشهر طوال، أو ربما عدة سنوات، حسب حساسية رسائل هذه المسرحية أو تلك من هذه المسرحيات الرقمية، التي لا يسعفنا المقام الحديث عن تفاصيل صناعتها، والتي تحتاج إلى إدارة معينة في كل عرض.

وبهذا بدأنا نشهد انزياحاً نوعياً في عملية التلقي المسرحية (الحية)، بغياب «الجدار الرابع»، وبالتالي نجد أنفسنا أمام عرض ربما يسميه البعض غير مسرحي، لأنه فقد أحد أهم شروط تحقق المسرحية، ألا وهو الجمهور.

ففي مسار التطور التاريخي للمسرحية، لم نفقد الجمهور في أي مرحلة من مراحله؛ فكان التغير دائماً يجيء فيه جمالياً، بعد التطور في البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية بحدوث الاتجاهات الجمالية المسرحية، التي تنبثق منها؛ من الطقسي، إلى التراجيدي، وإلى العبثي وغير ذلك من الاتجاهات الجمالية الأخرى، ليظهر بناءً فوقياً يعكس هذا التغير: ثقافياً وفنياً، لما يمور في هذه البنى التحتية. أو كما حدث أيضاً على مستوى المدارس من ظهور تعددية بظهور البريختية إلى جانب الأرسطية.

أقول كل تلك المتغيرات التي ظهرت على المسرحية كان الجمهور دائما حاضراً في القاعة، مترابطاً متفاعلاً سيميائياً مع أداء علامات العرض فهو الغاية الأولى والأخيرة من صناعة المسرحية.

أما الآن فلقد بتنا نفتقد التفاعل الحي المباشر بين الجمهور والفنون التفاعلية السمعية والبصرية والفيزيائية، وهذا الأمر، وعلى ما يبدو، سيدوم لسنين ليست بالقليلة، بحسب توقعات أغلب منظمات الأوبئة في دول العالم.

وحتى لو تم القضاء على هذا الوباء، ربما سيستمر هذا النمط من العروض، لأنه أقل كلفة، وأكثر حرية في تشكيل المبنى، والبوح بالمعنى، فهل تكون الكورونا سبباً في حضور وانشاء نمط فني جديد دائم في التلقي المسرحي، بينما هي تغيب.