يعبر التناقض السياسي عن نفسه في مفارقة أردنية النكهة وذلك أن المطالبين بترحيل حكومة الرئيس عمر الرزاز بناء على أدائها في الأسابيع الأخيرة، أو حتى على مجمل أدائها في السنوات الماضية، هم أنفسهم من يدشنون لدعوات مقاطعة الإنتخابات النيابية، وهذه المفارقة يمكن أن تحصل على مكانها بجانب ظواهر سياسية أخرى، فمثلاً يشهد الأردن إقبالاً على الوظيفة الحكومية، وتتصاعد الشكوى من تكلفة القطاع الحكومي وما يتطلبه ذلك من ضرائب!

ترحيل الحكومة أتى وفق استحقاق دستوري، ولم تقدم الحكومة في ظل الظرف الراهن ما يدعو للبحث عن مخرج آخر، وعليه، يعود الأردن من جديد إلى نفس المربع الذي عايشه في 2012 حين توجه إلى تأسيس أبجديات حكومة نيابية تتحمل وزر علاقتها مع مجلس النواب كاملاً، وعلى الرغم من المصاعب استطاعت الحكومة وقتها أن تتعايش مع مجلس النواب السابق، وأن ترحل معه، ثم أتى منعطف الدوار الرابع ليضع المشروع جانباً، ولكنه لم يكن يعني ارتداداً عن الفكرة العامة.

في السياق الأوسع، لا يمكن النظر لحكومة الرزاز التي رحلت حكماً بقرار حل البرلمان إلا بوصفها حكومة تجسيرية لم تتمكن من تشكيل قناعة لدى رأس الدولة ولدى المواطنين من منحها فرصة استثنائية حتى تحت طائلة الكورونا، فالواقع يؤشر إلى أن الحكومة كانت تؤدي أدوارها ضمن منظومة أوسع من المؤسسات، ولذلك رحلت الحكومة بعد استنفاد مهامها، وتبقى مسألة التقييم عالقة نظراً لمجريات الأحداث في الأشهر الأخيرة، ويظل التعويل قائماً على قدرتنا على تشكيل حكومة نيابية، وعلى الأقل حكومة ذات نكهة نيابية، وهو ما لا يمكن الحصول عليه دون وجو? مجلس نيابي قوي من حيث المبدأ، ووحده الناخب الأردني إذا قرر الخروج من مفارقاته يستطيع أن يقوم بدوره في تشكيل الضغط اللازم لخلق حالة من التشاورية، وتنتقل إلى التشاركية وتتطور إلى تداولية، بما يعني حكومات برامجية تثبت جدارتها أمام الملك والناخبين، وبحيث يكون الملك هو الضامن للدستور ولعدم استفراد أي جهة بالديمقراطية لتشكلها وفق أهوائها ومصالحها، وبذلك يكون الملك راعياً للدولة في وجودها الكلي ومرجعاً لجميع سلطاتها، وتكون الحكومة ممثلاً للمواطنين في إدارة الشأن العام.

لنعد من جديد إلى الورقة النقاشية الثالثة لجلالة الملك المنشورة في أذار 2013 التي مجموعة مهمة من التصورات للتحول تجاه مزيد من الديمقراطية وتفعيل السلطة التشريعية، والتي حظيت بكثير من التغطية والثناء بينما كان يتوقع الملك أن تكون محلاً للنقاش، ولو كان جلالته يتقصد غير ذلك، لأسميت بالأوراق التوجيهية، فالمقصود من مشروع الأوراق النقاشية هو التداولية، أي الدخول في حوار سياسي، والحوار السياسي ينطوي على تصور جديد قريب من الطرح الأساسي، ولكنه ليس بالقطع نفس التصور المبدئي، ولذلك كان على المجتمع السياسي أن يتوجه مخا?باً الملك، سواء من خلال الكتابة أو اللقاءات الشخصية، بالحديث في صلب الأوراق النقاشية، ونحن معنيون بالورقة الثالثة في سياق الانتخابات المقبلة، والكاتب الصحفي لا يستطيع أن يحتكر أو يتصدى لما يجب أن تقوله الأحزاب والأشكال الأخرى من ممثلي أصحاب المصالح، مثل النقابات، والتي عليها أن تشكل الكتلة التفاوضية أو لنقل الإثرائية التي عليها أن تخوض الحوار حول الورقة النقاشية وتحولها إلى برنامج عمل قابل للتنفيذ.

لم نستوعب إلى اليوم، المقولة المتعلقة بالضغط من الأسفل، وهي مقولة ملكية بالمناسبة، ولكن مسؤولية الملك ومقولاته منذ الربيع العربي توازن بين الاستقرار والتقدم، وهو عادة من يعيد إثارة الحوار حول القضايا المتعلقة بالديمقراطية.

حتى الديمقراطيات العتيدة لا تزعم بأن الديمقراطية بلا عيوب، فهي ما زالت تطور العملية الديمقراطية، ومشكلتنا في الأردن أننا غير متوافقون على الديمقراطية، فنحن نتصور أن نظامنا الملكي مطلق، مع أن الحقيقة أن ذلك ليس صحيحاً، للملك الكلمة الفصل والأخيرة، ولكن توجد بنية كاملة لا يمكن تجاوزها، ولنأخذ موضوع الاستثمار على سبيل المثال، أفليس أفضل أن نحظى بعملية استقطاب للاستثمارات تكون كلمة الملك فيها هي الوحيدة والأخيرة ونتخلص في سياقها من جميع العوائق البيروقراطية وبحيث تشكل دعوة الملك لأي مستثمر تعاقداً كاملاً، ربما?يعمل هذا النموذج في دول عربية أخرى، وحتى دول في وسط آسيا، ولكنه لا يتماشى مع الأردن، ولا هو ما يريده الملك، الملك يريد أن يكون على المدى البعيد حارساً للدستور، ولنترك العامل الذاتي جانباً، فأي مثقف سياسي يدرك عملياً أن مركزية القرار ليست الشكل المناسب للمستقبل، وأن العالم سينحو إلى معادلة جديدة بين المركزية واللا مركزية.

التغيير رغبة مشتركة، ولكن في التفاصيل تحديات كثيرة تتطلب تغييراً في القناعات، وكنت أحد الأشخاص الذين دعاهم الديوان الملكي للحديث عن موضوع الأحزاب مع جلالة الملك قبل سنوات، ووقتها تحدث الملك عن المشاريع الحزبية وبرامجها، وكان يذكر أحد الأمثلة، مبيناً أنه يريد أحزاباً ببرامج تفصيلية تتصدى للمشكلات المطروحة، وكان يعني أن البرامج المتوفرة إنشائية، أو هكذا فهمت جلالته، واليوم، إذ يتحدث الجميع عن قرار حل البرلمان في موعد استحقاقه الدستوري، وترحيل الحكومة على الرغم ما ينطوي عليه ذلك من تكلفة، يجب أن يتقدم الوسط ا?سياسي أو جهة ما داخل الوسط السياسي لتتحدث في الخطوات المقبلة.

بالتأكيد لا نريد مجلساً نيابياً حافلاً بالصخب، فقد مللنا من النواب الذين يعيدون تعريف المشكلات التي نعرفها أصلاً، وما نريده هو مجلس مؤهل من خلال توفر أفضل النواب الممكنين ضمن ما هو معروض في قوائم المرشحين، ليحمل على عاتقه عملية إعادة هندسة الواقع السياسي لنتمكن من تخطي مفارقاتنا السياسية الأردنية.

نعود إلى الدستور من جديد، ومن الدستور يجب أن يبدأ كل شيء، واليوم، يحسم الدستور الوضع القائم، ولكن الدستور لا يمكن أن يصنع مسيرة إصلاح سياسي، لأنه ميناء يتيح لنا الانطلاق والعودة أحياناً لنبدأ من جديد، وأيضاً بوصلة وسط الاضطراب ولكن السفينة تحتاج في النهاية إلى الأيدي التي تمسك بالمجاذيف وتقوم بدورها في الإبحار.