رغم التاريخ الدموي المُثقل بإرث صراع تتداخل فيه عوامل الجغرافيا بالديمغرافيا, والأحقاد التاريخية بنوازع الهيمنة واستغلال الثروات الطبيعية ودائماً في لعبة المحاور الدائرة بضراوة في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم, خاصة بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي والدخول الأميركي/الأطلسي إلى الجمهوريات السوفياتية (الإسلامية) السابقة، فإن ما يجري الآن في إقليم ناغورني كاراباخ لا يمكن فصله عن تلك الحرب الساخنة نسبياً التي تدور في جنوب القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان, في وقت لم تُحسم فيه ملفات عديدة ليس أقلها الصراع على ثروات بحر قزوين بين الدول المشاطئة, والرغبة التركية المحمومة للتدخل في رسم الخريطة الجديدة لأنابيب نقل الغاز والنفط الأذري إلى أوروبا, ناهيك ما تُشكله «مسألة كاراباخ» كفرصة لأردوغان لتصفية حساباته مع ارمينيا, التي نجحت في تكريس روايتها عن الإبادة الجماعية للأرمن في العام 1915 وفشل أنقرة في الحؤول دون مزيد من الدول والاعتراف بمسؤولية الدولة العثمانية عن تلك المذابح.

مسارعة أنقرة إلى إدانة إرمينيا واعتبارها مسؤولة عن عدم الاستقرار وتهديد السلام في المنطقة كما قال أردوغان, لا تُشكل مفاجأة لمَن تابع وقائع الصدامات المتكررة بين باكو ويريفان, وبخاصة الصِدام الأخير قبل شهرين, حيث انتهزت انقرة الفرصة للتدخل عسكرياً ولوجستياً في الصراع, تَرجمَتها باجراء مناورات عسكرية بالذخيرة الحيَّة بين الجيشين التركي والأذري, فضلاً عن تزويد باكو بأسراب من الطائرات المُسيَّرة, التي يراها أردوغان قفزة نوعية نحو بناء مجمع عسكري صناعي, يدعم «مشروعاته» الاقليمية التوسّعية, والتي شارفت على الفشل إذا ما دقَقنا في الساحات «الثلاث» التي ركّز عليها في هجماته العسكرية والدبلوماسية والإعلامية الهادفة استعادة الأمجاد العثمانية البائدة.

ليبيّاً.. سقط تهديده باجتياح سرت والجفرة, ولم يعد يتحدّث عن حل عسكري، كذلك سُورِيّاً حيث «ادلب» باتت استنزافاً لقواته وهي الحال ذاتها في شرق الفرات الذي هدّد باحتلاله وصولاً الى الحدود العراقية السورية، ماذا عن شرق المتوسط؟.. التراجُع التركي ماثل بحديثه عن الحلول «الدبلوماسية» كاشفاً عمق المأزق التركي الذي لم تخفيه العنتريات والحشود العسكرية هنا وهناك.

هل تنجح تركيا..جنوب القوقاز؟

ثمة مؤشرات على إرسال أنقرة مرتزقة سوريين قبل اندلاع المواجهات الاخيرة، كذلك تتواجد كتائب عسكرية برية ودفاع جوي على الحدود الأذرية/الارمينية, فضلاً عن تسريبات تتحدث عن شروعها في بناء قاعدة عسكرية تركية في اذربيجان، في الوقت ذاته الذي لا يُمكن لأنقرة «إسقاط» او تجاهل الدور والمصالح الروسية في ارمينيا. ليس فقط بوجود قاعدة عسكرية روسية وانما اعتبار موسكو ان ما يجري مرتبط تماماً بمحاولات واشنطن واسرائيل (وتركيا) توظيف الجماعات الارهابية لاختراق الامن القومي الروسي, واشاعة الفوضى في جمهورِيّاتها «المُسلمة» ذات «الحكم الذاتي». لهذا لن يتردّد بوتين بـ«لجم» الموجة الحالية من المواجهات, رغم بروز إسهامات تركيا في تأجيجها.

ماذا عن ايران.. يكاد المرء يجزم بأن موقفها يتطابق مع المخاوف الروسية, خاصة أن لإسرائيل دوراً مُهماً ونشاطاً كبيراً في اذربيجان ذات الحدود الطويلة مع إيران. رغم ان موسكو وطهران تدعوان بإلحاح الى وقف للنار والجلوس إلى طاولة التفاوض.

kharroub@jpf.com.jo