على عتبة ثلاثة شهور حبلى بتطورات أحداث عالمية وإقليمية كبرى يترقب العالم مآلاتها وما ستفرز من تطورات، حسم الأردن أمره حيال أستحقاقات دستورية مفصلية وقرر أن الانتخابات النيابية في موعدها، وأعلن تشكيلة جديدة لمجلس الأعيان، وينتظر الكافة تبعاً لذلك تشكيل حكومة جديدة وفقاً لتلك الاستحقاقات.

يأتي هذا، في وقت يقف العالم فيه حائراً أمام أستشراء جائحة كورونا، ويترقب باهتمام ما ستسفر عنه الانتخابات الأميركية الوشيكة، وسط تخوفات إقليمية وحتى أميركية من تبعات تلك الانتخابات، ليس على منطقتنا وسواها من بؤر التوتر فقط، وإنما على الداخل الأميركي نفسه.

الذهاب بإرادة ملكية نحو الانتخابات، وتشكيل مجلس أعيان جديد، وتشكيل حكومة جديدة في وقت وشيك، هي قرارات مفصلية جريئة يريد الملك من خلالها، أن يقول للإقليم ولدوائر النفوذ الدولي كلها، أن المملكة الأردنية الهاشمية، دولة قوية راسخة تحكمها ثنائية القانون والمؤسسات، وأن دورها وحضورها الإقليمي غير قابل للنقض، أو التهديد من جانب أي كان، وتحت وطأة أية ذريعة كانت.

والذهاب نحو هذه الاستحقاقات الدستورية الوطنية في زمن إقليمي ودولي حساس عصيب مثقل بالتحديات والمفاجأت معاً، ينطوي كذلك على رسائل إيجابية عميقة للداخل الأردني الذي تتنازعه التكهنات والتحليلات والتنبؤات حول المستقبل، وإلى أين نحن ذاهبون.

هذه الرسائل كان أولها أن المملكة لن تتردد في إجراء الانتخابات النيابية بمقتضى دستورها، خاصة وأن السواد الأكبر من شعبنا وهذا لم يعد سراً، ضاق ذرعاً بإنجازات ودور المجلس الذي تم حله للتو، وثانيها، أن تشكيلة مجلس الأعيان الجديد، جاءت مريحة ومبشرة، عندما طغى الطابع السياسي والقانوني والاجتماعي أيجابياً على الهيئة العامة للمجلس، إن جاز الوصف.

يبقى الآن الإجراء الثالث المتعلق بتشكيل الحكومة الجديدة، وهنا لا بد من الإشارة بوضوح يبتغي المصالح الوطنية العليا للوطن والعامة للشعب، إلى أن من الحكمة والضروة بمكان، أن تكون الحكومة ذات لون وطابع سياسيين في الغالب من مفرداتها، وذلك وفقا لمقتضيات المرحلة في تجلياتها الوطنية والإقليمية والدولية.

وهنا أعيد التأكيد على رأي أكدته مراراً، وهو أن السياسيين هم من يصنعون مجد أوطانهم، وهم الأقرب إلى مشاعر وتطلعات الشعوب وطموحها في الشدة والرخاء على حد سواء.

ثم يبقى الرهان على خيارات الناخبين لإنتاج مجلس نيابي فاعل، قوامه رجال دولة قلوبهم على الوطن، وبالطبع، فلا يصح إطلاق صفة رجل دولة إلا على من تقدمت وسمت عنده المصالح الوطنية والعامة للشعب الصابر على أوجاعه، على مصالحه الشخصية والجهوية، وعلى قاعدة أن الأردن وطن سائر أهله.

قبل أن أغادر، فالملك رأس الدولة وقائد الوطن، وضع العربة أمام الحصان لا خلفه، ونحن مطالبون شعبياً بأن ننتخب بضمائر حية تضع الوطن فوق كل اعتبار. ورئيس الوزراء المكلف مطالب بفريق وزاري طابعه الغالب سياسي بامتياز، كي نصل في نهاية يوم الانتخاب، إلى «باقة» حكم وتشريع ورقابة وطنية ذات حضور فاعل مؤثر محلياً وعربياً وإقليمياً.

الشعب الأردني وبكل أطيافه شعب طيب كريم يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وهو من أنبل شعوب الأرض المتشبثة بوطنها وبقيادتها مهما واجهت من مصاعب، وتلك شيم لا بد وأن توظف وبحكمة وشجاعة للارتقاء بالأردن وحشد طاقاته من أجل حاضر أفضل ومستقبل أفضل. هذا ليس صعباً أبداً، بل يحتاج إلى رجال دولة أقوياء مخلصين لتفعيله. الله من وراء قصدي.