د. عامر العورتاني

ربما يكون حجم الدراسات الاجتماعية التي تمّ ويتمّ إعدادها يتفوّق على أعداد الدراسات في المجالات الأخرى، وبحسب ما يقتضيه المنهج العلمي ؛ فإنّ هذه الدراسات تلتزم في آلية إجرائها، وإخراجها بالصورة النهائية بقالب علمي يتحرى الدقة في استخدام المصطلحات والمفاهيم وفقاً لتعريفها العلمي واللغوي والإجرائي، وخلال ذلك فإنّ على الباحث أن ينأى بنفسه عن السقوط في فخ الانحياز لآرائه، أو الرؤية من منظور أيدولوجيته أو معتقده، فهو خلال البحث والتحليل معزول تماماً كما فرق التقصي الوبائي، وإنّ الدراسة في شكلها النهائي لا تبتعد ?ن كونها جملة من الجداول والإحصاءات التي تمّ استخراجها على خلفية استبانات تكونت من عدد من الأسئلة التي تُوَجه لمجتمع و عينة الدراسة ، لتُصاغ إجاباتها بصورة دراسة يُستدل من خلالها على واقع و اتجاهات الأفراد نحو متغيرات معينة، للخروج بجملة من النتائج التي تنعكس على شكل توصيات وحلول مقترحة، وغالباً ما تتعرض هذه الدراسات للكثير من متغيرات الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو العلمية وعلاقتها بالأفراد، وكيفية تفاعلهم معها أو استجابتهم لها أو الصراع المترتب عليها ، من خلال التدقيق في ظواهر م?ددة وتبيّن أسبابها وآثارها، ليتمّ اختزال المشكلة موضوع الدراسة وتفاصيلها الكامنة في العلاقات والتفاعلات، وردود الأفعال على هيئة أرقام لا تكشف جميع جوانب المشهد، ما يجعل إدراك حقيقة الصراع السيكولوجي للأفراد غامضاً إلى حد ما، إلاّ من خلال بعض الوصف العاجز عن سرد أبعاد التفاصيل، وتحسس نبضها بشكل إنساني أعمق .

وبالمقابل فإنك عندما تنتهي من قراءة رواية » الجريمة والعقاب » للروائي الروسي الشهير دويستوفيسكي، وبعد أن تنخرط في جملة الأحداث التي تحكي قصة بطل الرواية، فإنك تتمكن من تشكيل صورة متكاملة عن واقع مدينة بطرسبرغ في القرن التاسع عشر، وما ترتب على الليبرالية وهيمنة اقتصاد السوق من تغيّرات اقتصادية واجتماعية وتوترات بين الأفراد والمجتمع، الأمر الذي انعكس في صورة الشعور بالاغتراب والتفكك الاجتماعي الذي عانته شخصيات الرواية، كما أنّ الكاتب قدم من خلال الرواية تحليلاً دقيقاً لسيكولوجية المجرم وأزمته الأخلاقية والصر?ع بين الخير والشر فيها، في ضوء المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي نالت من المجتمع الروسي الذي تأثر بالحداثة على الطريقة الأوروبية، وهو ما جعل الكاتب يحمل هوية الأديب والروائي الذي يفكر بعقل الفيلسوف وعالم النفس وربما الباحث الاجتماعيّ. ولا شكّ أنّ الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز، تمكن هو الآخر من نقد الأوضاع الاجتماعية بأسلوب لاذع في «أوليفر تويست» و«ديفيد كوبرفيلد» وغيرهما، فقد امتلك قدرة كبيرة على كشف التفاوت الطبقي في مجتمعه في العصر الفيكتوري، وما ترتب على ذلك من صراعات اجتماعية محاطة بحلقة مُحكمة من?الفساد الأخلاقي، كما لعبت ثلاثية نجيب محفوظ المزدحمة بالأحداث والأنماط الإنسانية، دوراً بالغ الأهمية في تشريح واقع المجتمع المصري في عشرينيات القرن الماضي، وما طرأ عليه من تغيرات اجتماعية واقتصادية، وما آلت إليه من تفاعلات وصراعات أيدولوجية وسياسية بين الفرد والمجتمع، الأمر الذي برعت فيه الروائية المصرية رضوى عاشور في » ثلاثية غرناطة » وهي تروي وقائع سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وتصف بدقة الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية التي رافقت المسلمين حينذاك، من خلال قصة إحدى العائلات المسلمة، ليُبدع غابري?ل غارسيا ماركيز في سرد تفاصيل الحرب الأهلية في منطقة الكاريبي، وما مرّ به شخوص رائعته » الحُب في زمن الكوليرا » من تغيرات نفسية وسياسية واجتماعية، من خلال سرده لتفاصيل العلاقة بين الحُب والحرب والوباء، ولا يمكن لأي من جيلنا أن يستبعد من ذاكرته أحداث «التغريبة الفلسطينية»، التي عبّرت عن بعض ما عايشه الكاتب وليد سيف الذي ولُد عام النكبة، فكانت روايته شاهداً على سلسلة من المتغيرات السياسية والاجتماعية التي ألمت بالشعب الفلسطيني، وامتداد أثرها إلى الجوار، الأمر الذي يمكن معايشة المزيد من وقائعه في أولى روايات ?سان كنفاني » رجال في الشمس » التي صوّرت واقع الإنسان الباحث عن الخلاص، الفاقد لهويته ومعاناته في مخيمات اللجوء، والقائمة تطول عند الحديث عن روائع الأدب التي حفرت في ذاكرة القرّاء بعد أن شكلوا من خلال قراءتها صورة شاملة عن المجتمعات التي احتضنت شخصياتها، واختبرتهم بعواصف تغيّراتها.

إذاً فإنّ الإنتاج العلمي في المجال الاجتماعي، يحتاج إلى الاقتراب أكثر من تلك الصور والحالات الانفعالية والصراع الواقعي الذي يضعنا فيه الإنتاج الأدبي، خلال وصفه المفعم بالحياة للتغيّرات التي تطرأ على الأفراد من مختلف فئات وطبقات المجتمع، وأثر ذلك على صراعاتهم وتفاعلاتهم السيكولوجية، ومن ثمّ تأثير ذلك كله على القيم التي يؤمنون بها، والتي تنعكس في صورة سلوكياتهم واتجاهاتهم، الأمر الذي يؤكد على حقيقة أن مجرد التحصن بالمنهج العلمي لن يكون كافياً للوقوف على جوهر المشكلات الاجتماعية، وملامسة معاناة الأفراد التي ي?رون بها من خلال تفاعلهم مع التغيّرات المختلفة التي تهز جذور المجتمع، وأنّ قيمة قراءة الإنتاج الأدبي لا تقف عند حدود تذوّق صوره الفنية، وصدقه في تصوير الواقع ، وسبره أغوار النفس البشرية فحسب، إذ يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك إذا ما أردنا التعرف عن قرب على تفاصيل التغيّر والصراع، فالأديب في حقيقته يملك عدسة دقيقة تمكنه من تصوير أدق جزئيات المجتمع، ورصد أحاديث النفس الغامضة، والمواجهة الصادقة مع الذات، في أعمال حافلة بالحوارات والانفعالات والأصوات والصور، التي تعجز أحياناً لغة الأرقام وبعض الحروف في الُجمل المخ?زلة عن الوصول إلى احترافها العالي في تجسيدها، ما يعني أنّ مكتبة عالم الاجتماع والمختصين في هذا الميدان من العلوم ينبغي أن تحتفي بالكثير من الأعمال الأدبية المحلية والعالمية، وإلاّ فإنه سيكون كمن يحاول أن ينظر إلى العالم الكبير من خلال ثقب الإبرة الضيق، كما أنّ عليه أن يبرع في استخدام المفردات والصور التي يتحدث من خلالها عن المشكلة، ويقترب أكثر من واقع الأحداث، إذا ما أراد أن يؤدي دوره كجرّاح لمشكلات المجتمع بصورة مُتقنة، وليست الدعوة هنا للتخلي عن المنهج العلمي، أو التقليل من أهمية البيانات الإحصائية، وإنم? هي دعوة لعلماء الاجتماع المختصين للبحث أكثر في سجلّات الأدب من رواية وقصة قصيرة، والنظر بدقة إلى الكيفية التي أرّخت ولا زالت تلك الأدبيات له من أحداث وتغيّرات، وإلى الطريقة التي تفحص بها المجتمع وأفراده وسلوكياتهم، والاقتراب أكثر في أسلوب عرض المشكلة وحلولها من واقعية الأحداث وما تخلّفه من آثار وتداعيات على النفس الإنسانية.

أخصائي علم اجتماع الجريمة

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com