غدير سالم

اعتقد طوال سنوات دراسته الأربع بجامعة برنستون بولاية نيو جيرسي الأميركية أن لديه شريكًا في غرفته، لكن الوثائق الرسمية أكدت أنه كان يسكن بمفرده، ابنة شقيق شريك الغرفة ظلت طفلةً لا تكبر مدةَ ثماني سنوات! عند تكشُّف تلك الحقائق، أدرك جون ناش -عالِم الرياضيات الفذ والحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1994- أنه مريض بالفصام!

عاش ناش سنواتٍ من المعاناة وهو يتوهم أن هناك مَن يلاحقه ويريد قتله، وأقام فترات طويلة في غرف مستشفيات الأمراض العقلية يتلقى علاجًا نفسيًّا يتنوع بين العقاقير والحقن والصدمات الكهربائية.

تحولت معركة جون ناش مع الفصام إلى قصة فيلم «Beautiful Mind»، وحصل الفيلم على 4 جوائز أوسكار عام 2001 وتعرَّف العالَم من خلال الفيلم معاناة مريض الفصام!

أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي يقول :» الفصام هو مرض عقلي مزمن، وإضطراب شمولي يؤثر على الجانب السلوكي والوجداني والعقلي، حيث يؤثر على الشخص ضلالات أو معتقدات او أوهام تختلف من شخص لأخر حسب طبيعة ونوع الفصام والشكوك، وتكون هذه المعتقدات ثابتة وراسخة عند الشخص لا تحتمل التأويل والتفسير لكنها بعيدة عن الواقع ».

ويضيف: «وتؤدي إلى التدهور في كافة جوانب الحياة حتى يبدأ يفقد الإنسان إهتمامه في مظهره ونظافته الشخصية إضافة لوجود الأعراض الموجبة التي تشمل الأفكار والمزاج والهلاوس البصرية والسمعية فيصبح الشخص يسمع أصوات في الحقيقة غير موجودة، لكن بالنسبة له يسمعها وكأنها طبيعية هذه الأصوات تحمل صفة التهديد والتآمر والمراقبة، فتجد الشخص يبعتد عن بعض الأشخاص الذين يعتقد انهم يتآمرون عليه ويتجسسوا عليه أو أن يسحبوا منه بعض الكلمات أو أنهم يزرعوا في جسمه شريحة وهذه نتيجة سيطرة هذه الأفكار والضلالات والأوهام على هذا الشخص فتت?هور كافة وظائف الحياة الأخرى ويصبح الشخص شبه مفصول عن الواقع الذي يعيش فيه ».

ويرى التميمي أن :» الفصام يؤثر على الشخص المصاب به فيبدأ يفقد أهليته وإدراكه للواقع ولعلاقاته الإجتماعية وسلوكياته تتدهور، ويضطرب نومه، وقد يصبح حاد المزاج وعصبي عدا أنه يصبح منعزل،وقد يميل إلى التدخين المفرط ».

ويبين التميمي :» هناك مقولة تقول أن مريض الفصام يؤثر على عشرة أشخاص من حوله وعادة هؤلاء الأشخاص هم أفراد أسرته، فالأسرة هي التي تعاني وتنتابها عدة مشاعر متناقضة عندما تكتشف أن أحد أفراد العائلة مصاب بالفصام، وأول استجابة ستكون الصدمة والإنكار، عقبها القلق والخوف من ترك هذا الشخص بمفرده فإذا ترك لوحده قد يؤذي نفسه، وأحياناً خزي من المجتمع لأن الفصام مرض مزمن لا يوجد شفاء تام منه ولكن العلاج يعمل على السيطرة أو يحافظ على الحد الأدنى من إرتباط الشخص بواقعه ».

ويضيف: «ومن المتعارف عليه القاعدة الطبية التي تقول عندما يكون التدخل مبكراً تكون فرص العلاج والإستشفاء أفضل، ومعاناة كل أسرة تختلف بإختلاف كل حالة من حالات الفصام وتختلف حسب التاريخ المرضي ومدى شدة الأعراض أو سيطرة هذه الضلالات،وحسب الفصام العقلي ونوعه».

وينوه التميمي إلى أن : «العلاج المتوفر هو علاج دوائي بالدرجة الأولى بإستخدام ما يسمى مضادات الذهان لأن مريض الفصام يعاني من خلل في مادة الدوبامين، فتعمل هذه المضادات على إعادة توازن كيمياء الدماغ فتحسن الأعراض الموجبة كالضلالات وتخف الهلاوس ويصبح الإنسان أكثر ارتباطا ببيئته،ولكن هذا يعتمد على كمية تلقي هذا الشخص للدعم النفسي لأن مرضى الفصام بحاجة إلى إعادة تأهيل حياتهم وإعادة تأهيل ربطهم بالحياة الإجتماعية وربطهم في وظائف الحياة اليومية وقدرته على أن يعتني بنفسه وبنظافته وعلاقاته الإجتماعية».

ويتابع: «ولا بد من اللجوء إلى العلاج النفسي والتسقيف النفسي وكيفية تعامل الأسرة مع بعضهم بعضاً، وتحسين الأعراض السالبة المرافقة للفصام التي تتضمن العلاقات الشخصية والنظافة الشخصية فحتى هذه الجوانب يبدأ مريض الفصام يفقد الإهتمام فيها فقد يبقى أربع أو خمس شهور دون إستحمام ».

ويقدم التميمي مجموعة من النصائح والإرشادات لذوي مرضى الفصام فيقول: «بداية لا بد من تقبل المريض وتقبل مرضه والإعتراف بأنه فرد من أفراد الأسرة، وعدم لومه أو تحميله الذنب لأن هذا المرض ليس ذنبه،وفهم وتسقيف كل شخص من أفراد الأسرة بطبيعة مرض الفصام وفهم الأعراض والإنتكاسات التي قد تحدث حتى لو انه يتناول الدواء فهذه تساعد الأسرة والمحيطين في تقبل تصرفاته، والعمل على الحد الأدنى من القلق والتوتر الذي يصيب العائلة والتخفيف من عملية الوصمة الإجتماعية بأنه مريض فصام وكأنها تهمة فهو بالنهاية شخص مريض لا يمكن تحميله و?ر أو سبب هذا المرض ».

ويتابع: «وعلى الأسرة كاملة تطوير قدراتها للتعامل مع الضغوط والأزمات وخلق أجواء عائلية دافئة وتقبل هذا الشيء وعدم التعليق على ضلالاته ومحاولة تجاهلها وعدم تسطيحها لأن هذه الأمور تقطع الإتصال مع مريض الفصام، والكثير من مرضى الفصام لا يقبلوا العلاج فهم غير مدركين أنهم مرضى ويعتقدوا أن العالم الخارجي لديهم مشاكل وهم أسوياء وهذه التحديات التي لا بد على الأسر العمل عليها وتشجيع المريض وتوفير الأجواء النفسية والداعمة ليشبع اوقات الفراغ بشكل ايجابي».

المتخصصة في الإرشاد النفسي بدرجة الماجستير مها الطاهات تقول: «الفصام إضطراب عقلي يحلل ويفسر فيه الأشخاص الواقع بشكل غير طبيعي، أي تحويل الواقع الي خيال وقد يصل الأشخاص المصابون به إلى مجموعة من الهلوسات والأوهام والإضطراب البالغ في التفكير والشعور والسلوك وهو ما يعرقل أداء الوظائف اليومية، ويمكن أن يسبب الإعاقة».

وتضيف: «ويحتاج المصابون بالفُصام إلى علاج مدى الحياة، ويمكن للعلاج المبكر أن يساعد في السيطرة على الأعراض قبل ظهور الأعراض الخطيرة وتحسين المظهر على المدى الطويل».

وترى الطاهات أن: «أسباب الإصابة بالفصام غير معروفة، ولكن بعض العلماء فسروا وحللوا أنها قد تكون عوامل وراثية،أو عوامل بيئية،ويشير الباحثون إلى أن الفصام مرض في الدماغ قد يكون لدى المرضى مجموعة متنوعة من الأَعرَاض بدءًا من السُّلُوكيات الغريبة، والتشتت السلوكي، والكلام المشوش، وصولاً إلى فقدان المشاعر، وقلة الكلام أو انعدامه، وعدم القدرة على التركيز والتذكر، وعادة ما يُصيب هذا الاضطراب الشباب في الوقت الذي يبدؤون فيه بتأسيس استقلاليتهم، وقد يؤدي إلى إعاقة مستديمة ووصمة عار مدى الحياة».

وتنوه الطاهات إلى أنه: «هناك أعراض كثيرة للفصام منها عسر النطق والركود العاطفي وإنعدام الإراده وفقدان الطاقة، و عدم الإستماع لمختلف الأمور وفقدان التفاعل، وعدم الإهتمام بالتواصل الإجتماعي وعدم القدرة على تكوين علاقات وصدقات، وهناك أعراض إدراكية يعاني منها بعض المصابين وهي أعراض خفية أو غير واضحة مثل صعوبة فهم المعلومات وعدم القدرة على التركيز والإنتباه، وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل أو إزدياد صعوبة التواصل مع الآخرين ».

وتتابع: «وهناك أيضاً أعراض عند المراهقين مثل الإنسحاب من العائلة،وتدني مستوى التحصيل وإضطرابات في النوم والمزاج المكتئب وفقدان الشغف».