د.سهى نعجة

حين نتقمّط يوم الجمعة، فينهض نبضنا حبقا وفلّا وريحانا، فإننا غالبا ما نستذكر الأصحاب والأحباب ونخصّهم برسائل نصيّة، لكننا عزفنا عن ذي العادة إلى عادة فيها من الضلال ما يحمل الكثير. شرعنا نرسل الجمعة رسائل لكل مَن أرقامهم في الهاتف بصرف النظر عن منسوب الوصل والفصل ممّن نودّهم، ونأنس بأحاديثهم، ونرتعش لفيض العبر التي يصِلوننا بها، ويسرون في وريدنا بكرة وأصيلا، فتتدافع رسائل تُبارك هذا اليوم ابتداء من ليلة الجمعة وانتهاء بصلاة الجمعة، وأحيانا تدور الرسالة نفسها بين الناس في غير بلد.

وفور انتهاء الصلاة كأن الرسائل لم تكن، فتعود الرسائل اليومية المصورة، المنقولة من موقع إعلامي ما، هي صناعة احترفها بعض أبناء هذا الجيل، وتنتشر رسائل بالفصيحة وبالعامية وبلغات أجنبية، ورسائل المحتوى الفقير المثيرة للضحك المستعار غالبا، أو التي تنقل أفلاما قصيرة حول الصراع الطبقي والعرقي المستمر المستبد بين الأنا والآخر بأشكالهما كافّة، فتضحي هذه الرسائل نمطا زائفا زائغا شاحبا شائها راعفا بنيانا وبيانا، تذكرني بقوله تعالى: «ليُقرّبونا إلى الله زُلفى»، فأنا وأنت ونحن لسنا أرقاما ولا كيانا اسميا عابثا باهتا جع?ته الأيام لظرف ما في قائمة الأسماء التي يحتفظ بها هاتفك، فاضطر مجاملة أو لأمر ما في نفس أحدهم أن ترسل إليّ «جمعة مباركة» أو سواها.

نحن من يحلمون بسماء ثامنة، رغم أنف التعب، والخواء العاطفي، والتأرجح الوجداني والهشاشة الفكرية، والتبعيّة السلطوية، واغتيال الرأي، والاحتقان النفسي، والتقهقر المعرفي، والتوحّل العلمي، والتسآل عن الهامش والمركز اللذين ما يزالان في صحة وعافية، لكن هذا المسخ الجوهري لعقولنا، والتسطيح الممنهج لوجداننا الديني والعروبي، وإحلال هذا الهذيان المزخرف محله وبخاصّة يوم الجمعة الذي يعد فسحة دينية، عدا ما يعززه من عرى القربى بين أفراد العائلة النواة والعائلة الممتدة، سرعان ما سيزول. فثمة هِمم عالية باذخة تناضل ليغدو هذا ?لجهاز الرقمي برسائله النصية سبيلَ حياة فردية مشظّاة مفككة تغني عن الإنسان مع دوام التواصل الافتراضي، حوارا تقوله الجوارح قبل أن يقوله اللسان، وتحيل اللهو عبر هذا الجهاز الصغير متعة آنية تستهلك المشاعر، وتفضح المسكوت عنه/ المحظور، فتصحو النفس على فكرة البتر النفسي الذي يوقع الفرد تحت وطأة الانتظار مرة، وتحت وطًأة الغيبوبة العقلية والعاطفية والتواصلية مرة ثانية، نظرا لبشاعة الرسائل التي بات شبابنا يسبرونها، ويتوسلون بها حتى غدت سياقَ حال ومقام جديرا بالإرشاد النفسي والمتابعة المكثّفة، إذ يكثر المحظور فيها كل?ما وصورة.

لست وغيري ضدّ الرسائل النصيّة القصيرة، ولسنا ننكر جدواها في يوم معين، وهو يوم الجمعة، لكن الحاجة تغدو ملحّة لرجع التبصر في هيكلة التعاطي مع هذه الرسائل لتضحي حقا وسيلة تمور بما ينفع، وتدفع ما يشلع القلب من كلام يلسع صرفا ونحوا وإملاء، بلغة لا ينجو من هذا الجور اللغوي كلام الله تعالى، وأحاديث رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، ولذلك لا بد من تصفيتها من لدن شركات الاتصالات التي همّها الربح المادي لا الربح البشري. والغريب أن تجد متداوليها من المتخصصين بالعربية والتربية الإسلامية، ويحملون الرتب العلمية العليا. والمعيب أن حدود هذه الرسائل غالبا: قصّ ولصق، إنها عملية اتباع وليست ابتداعا، تعزّز ضعف مهارتي الإملاء والتعبير من لدن الطلبة، وبذا يغدو ما يتعلمه الطلبة في هاتين المهارتين رقما على الماء، فثمة من يقوم بدورهم من غير سؤال أو جواب. لست أنكر أهمية التواصل الاجتماعي الرقمي، لكن أين نحن مما نكتب، وقد تحولنا برسائل نصية مصنوعة إلى وعاظ هزلين غالبا، أو نقاد ساخرين، أو سائرين مع الركب حيث ساروا. لست رهن رسالة نصيّة عابرة قصيرة ليلة الجمعة أو صباحه، بل لست صورة (إيموجي) تختصر مشاعر بوم الجمعة، ولست رهن شركات تعتاش حد الأذنين وأعلى على حساب مرسلي هذه الرسائل، لست رهن شِباك?صيد، يستثمر ذوو النفوس العمياء مرتاديها لنشر رسائل الود والوجد والورد مدّعين أن «رسائل زمان» رسائل طاعنة في السن ما عادت تناسب زماننا. سأظل رهن رسالة أكتبها ببصيرة أصابعي، ورهن كلمات مزهرات وفيّات كانت تصطبح بهن جدّاتنا وبعض أمهاتنا، وما أجمله صباحا اعتادته زوجة روكس بن زائد العزيزي تقول فيه لزوجها كل يوم رفقة فنجان قهوة؛ «أسعد الله صباحك، وأطلق جناحك، وجعل الخير كله استفتاحك». فيا أصدقاء، هذا الجهاز الرقمي نعمة تساعدنا، لا نقمة تلغي عقولنا، والتواصل الاجتماعي عبره برسالة نصيّة حق مشروع، وما أعذبها كلمات ت?تبها أصابع مخيالك، من غير أن تتوكأ زند العم (جوجل) فتغير على بعض العبارات الجميلة، وتعتاش على السرقة اللغوية فتعيش وهم الابتكار. هذه الرسائل هي هي أنى يمّمت شطرها كنباتات الزينة شكل بلا رائحة.

فيا صديق، تذكّر أنك في الوجدان من قديم الزمان، وما تزال، وأني أقيم في ذاكرتك من ذيّاك الزمان، فلو هجرتَ وصلي؛ فلا لوم عليك ولا تثريب، فهي حريّتك العلياء. ما يهمني ألّا أسقط في جُبّ عادتك المريضة التي تقوم على احتمالات المنسوب الكمّي لرسائل ما قبل صلاة الجمعة، الجمعة التي تجمع الأقربين والأبعدين وتكون الرسائل النصية بعد عام مثلا لاذت بالانتشار كالجراد، فتبلّدت أواصر المحبّة والرفق بين الأهل: إخوة وأبناء عمومة وخؤولة، ويحوَّل اللقاء؛ عرسا وعزاء وتخرجا وترقيةً، إلى مجاملات جوفاء بلهاء، يتمزّق لها الأقارب لأنه? خانوا رابطة الدم، ولاذوا برابطة المستهلك من رسائل، فما عادوا قادرين على الانسياب بالكلام الفسيح الفصيح، أو الكلام بلهجتهم من غير تأتأة واستنطاء وغيرها ومن اللهجات المستقبحة.

يا صديق، لستَ مضطرا لمجاملتي، كن أنت بلا عمليات تجميل، قل ما تشاء، وإن كان كفّا تصفعني. وخير ما تفعله لأجلي أن تدعو لي موتا هادئا يبرئني من داء الإدمان للرسائل النصية يوم الجمعة، ومن تكميمها العقول، لتقول للمتلقي ما تريد أن توصله عبر مؤثرات جمة: صوتية ولونية وحركيّة وإيقاعية، وإدمان العالم الافتراضي حدّ الشعور أن العالم بحار لا شواطئ لها.

يا صديق، كلنا نولد أرقاما، ونموت أرقاما، أوَلا نستثمر هذه الرسائل بكلمات ترفع أرقامنا عند الله، وتجعلنا ممن يدخون جنان النعيم بلا تهميش أو تفتيش؟

كاتبة وأكاديمية أردنية