من مشاكلنا الأساسية في الأردن أن التعليم إنقاد للمجتمع بدلاً من أن يقود المجتمع، فكانت النتيجة أن تخلف التعليم بدلاً من أن يتطور المجتمع، ولعل واقع التعليم المهني ومثله التقني في مجتمعنا من أهم الشواهد على انقلاب هذا المثلث، فبسبب النظرة المجتمعية المتخلفة التي سادت مجتمعنا خلال العقود الأخيرة تجاه العمل اليدوي، تراجع الأقبال عليه، وبالمقابل اتخمت بعض فروع التعليم بأعداد تفوق حاجة سوق العمل المحلي، بل وأسواق المنطقة مما عظم مشكلة البطالة في بلدنا، وجعل التعليم سبباً من أسبابها المقنعة.

من أسباب هذا الانقلاب أننا ربطنا مكانة الإنسان في مجتمعه بوظيفته الحكومية، مما ساهم في تراجع العمل اليدوي والتقني بسبب تراجع مكانة العاملين بهما في المجتمع وبذلك نسينا واحدة من أهم حقائق نهوض المجتمعات، وهي أن نهضة المجتمع يصنعها المهنيون والتقنيون الذين يعملون بأيديهم ويحولون النظريات إلى منتجات، وقد غاب هؤلاء عن بلدنا فغابت عنه النهضة الحقيقية، الامر الذي صار لابد معه من صحية نذير، تذكر الناس بأهمية أن «يأكلوا مما يزرعوا وأن يلبسوا مما يصنعوا»، من خلال تعلم فنون الصناعة والزراعة وهذا هو الاستقلال الحقيقي، الذي تصنعه أيدي المهنيين المحترفين الذين تعدهم المدارس والمعاهد المتخصصة، التي صنع خريجو مثيلاتها نهضة الأمم المتقدمة، التي نعيش على منتجاتها حتى في لباسنا وغذائنا، وقد آن لنا أن نعود لإنتاجهما بتشجيع شبابنا للإقبال على التعليم المهني من خلال المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، للاستفادة من فرص العمل الكثيرة التي يوفرها التعليم المهني، والتي تشغلها حاليا العمالة الوافدة إلى بلدنا.

لمعالجة هذا الانقلاب في مثلث التعليم لابد من معالجة أسبابه، وأولها دور الأسرة السلبي في عزوف شبابنا وبناتنا عن التعليم المهني والتقني، بسبب ثقافة مجتمعية سائدة تنظر نظرة دونية للعمل اليدوي، وهي تشكل توجهات الطلاب، وهذه سبب أساسي لعزوف شبابنا عن التعليم المهني، مما صار لابد معه من تغيير هذه الثقافة، إذا أردنا أن نواجه مشكلة البطالة التي تفاقمت في بلدنا لاعتبارات غير موضوعية، بالإمكان تجاوزها بجهد وطني مخلص،لتغيير الثقافة المجتمعية نحو التعليم المهني والعمل اليدوي، وبناء ثقافة وطنية بديلة، تنظر للعمل اليدوي ومن ثم للتعليم المهني نظرة تقدير واحترام، باعتبارها مدخلنا لمواكبة التطور والتحديث، ووضع الحلول المناسبة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الملازمة لحركة المجتمع وتطوره ونموه من خلال إعداد الأيدي العاملة والمدربة من كلا الجنسين، مما يزيد من أهمية التعليم المهني كضرورة وطنية ملحة لمعالجة العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يرتبط حلها بفاعلية إعداد القوى البشرية. كما دلت على ذلك تجارب دول متقدمة كألمانيا واليابان التي يتجه غالبية طلبتهما نحو التعليم والتدريب المهني باعتباره الشرط الأساسي لتحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي.

Bilal.tall@yahoo.com