مناسبتان.. وليس مناسبة واحدة تَدعُوان للحديث عن جمال

عبد الناصر, الذي لمّا يزلْ حاضراً رغم غيابه جسدِياً, بسبب ما يجري على الأرض العربية من تحوّلات ومفاجآت وانهيارات تكاد تُوصِل بعضنا مرحلة القنوط التي هي ذروة اليأس, ما ينعكس ضغطاً على أوضاعنا كما يحدث الآن, إذا ماَ يمّم المرء وجهه نحو مشارق الأرض العربية ومغاربها, ليجد كل هذا السواد المحمول على تبريرات خرافية وهرطقات, يُراد منها إطاحة ما تبقى لدى هذه الأمة من مقومات الوجود وميكانزمات المقاومة والصمود, التي واظبت التسلّح بهما في وجه موجات الغزو والاستعمار, ومحاولات الطمس على هوية وثقافة ووجود أمة مجيدة أسهمت?في حضارة العالم, لكن نهج الاستبداد والفساد والظلم ناهيك عن انعدام القدرة على تحديد الأولويات والتعريف الصحيح للعدو, أسهم في تشجيع القوى المُعادية على التمادي وشنّ حملات لا تنتهي من حروب ومعارك مُفتعلة لترويع شعوب الأمة واعتبارها أمة زائدة, عليها الاختيار بين التحوّل إلى «عدمْ» أو القبول بالتخاذل مع القوى المعادية, سواء كانت تتستر بالدين على النحو الذي كانته الإمبراطورية العثمانية, أم تلك التي عملت على استعباد الأمة ونهب ثرواتها والتحكّم في حاضرها وتقرير مستقبلها, كما حال القوى الاستعمارية الغربية وتلك الصه?ونية/الإستيطانية/الكولونيالية’ التي شكّلت وما تزال طليعة القوى الإمبريالية في منطقتنا.

المناسبة الأولى للحديث عن جمال عبد الناصر, الشخص والمشروع والنهج التحرّري العروبي, هو مُضيّ نصف قرن على رحيله يوم 28/9/1970, فيما هو حاضر عند كل مفترق حقيقي تعبره الأمة, سواء قبل حرب اكتوبر 73 وخصوصاً بعد ما أوصلنا إليه انور السادات بافتتاحه مسيرة الصلح المنفرد مع العدو التاريخي للأمة العربية, أو تكريسه نهج فتح أبواب مصر لعواصف الخصخصة والإنفتاح والوعود الخُلّبية بالرخاء, وغيرها من الشعارات الفارغة التي أوصلت مصر إلى ما هي عليه الآن.. أم في التمزّق الذي أصاب الصفوف العربية, على النحو الذي بدت فيه الأمة مطر?حة بالمزاد على قارعة البازار الأممي, الذي عربدت فيه قوى الاستعمار وربيبتها إسرائيل بحيث غدت «مُؤهلة» ليس فقط لكتابة جدول الأعمال العربي, وإنما أيضاً الطمس على القضية الفلسطينية وتحويل شعبها إلى «كمّ» من اللاجئين ينتظرون صدقات الآخرين, دونما اعتراف بحقهم في تقرير مصيرهم كباقي شعوب المعمورة.

المناسبة الأخرى الأكثر دلالة على حصافة عبد الناصر وبُعد نظره, هي «استرجاع» ملحمة بناء السد العالي, الذي حمى «ويحمي» مصر الان, من كوارث وتداعيات «فياضانات» النيل, كما كان يحدث قبل بناء السد, والذي تبدّى جلياً في المآسي الذي احدثتها الفياضانات في السودان مُؤخراً, فيما نجت مصر بعد حؤول بحيرة السد/بحيرة ناصر دون حدوث الفيضان, كما وأسهم السد في توليد الكهرباء وتخزين المياه, تحسباً لفترات الجفاف ولأغراض الزراعة واستصلاح الأراضي.

في ذكرى رحيل «ناصِر».. يجدر بالتيّارات الإسلاموية خصوصاً, إعادة قراءة التاريخ واستخلاص دروسِه وعِبره, بعيداً عن الترّهات التي ما يزالون يتمسّكون بها والتخلّي عن أحقادهم غير المُبرّرة على ناصر وتجربته, وبخاصة روايتهم المُلفّقة عن سيد قطب و«القطبية» وما جرّته من ويلاتٍ لاحِقة.

kharroub@jpf.com.jo