بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد 

طرح أوبراين O'Brien تعريفاً للمفهوم المتعلق بالقراءة السريعة Reading Speed ، على أنها تلك المجموعةٍ من الأساليب التي تهدف إلى زيادة معدل سرعة القراءة لدى الفرد دون التأثير بشكلٍ كبير على الحفظ والفهم. وأورد أحمد راغب تعريفاً لها أيضاً على أنها تلك التقنية المبتكرة في القراءة التي تعتمد على تنشيط الجهاز العصبي للإنسان، وخاصة تنشيط الدماغ، مع التوازن الدقيق بين شقية الأيمن والأيسر. وينتج عن هذا عملية تحسين استخدام الحواس والقدرات كافةً وبشكلٍ احترافي أكثر من ذي قبل، والتي تحتوى على مجموعةٍ من الأسا?يب التي تهدف إلى زيادة معدلات سرعة القراءة دون تأثيرها على الفهم والحفظ. وفي الوقت ذاته أقترح تعريفاً لاستراتيجية القراءة السريعة على أنها إحدى استراتيجيات التدريس المعاصرة، التي تعمل على تدريب الطلبة عن طريق خبراء أو معلمين محترفين، على تقنيات القراءة السريعة المطلوبة، والتي تهدف إلى مضاعفة سرعة الطالب للمادة المقروءة، مع الاحتفاظ بمستوىً أفضل من الاستيعاب القرائي المنشود.

ونظراً لأهمية هذه الاستراتيجية، وحتى يتم إلقاء الضوء عليها بالشكل المطلوب، فإنه لا بد من الحديث عن العوامل التي تقلل من سرعة القراءة، وتلك الأخرى التي تزيد منها. أما بالنسبة إلى العوامل التي تقلل من سرعة القراءة، فتتلخص في قراءة كل كلمة على حدة. إذ يستمر كثير من الأشخاص في تطبيق الأمر الذي تعودوا عليه في المرحلة الابتدائية الدنيا بالقراءة كلمة وراء أخرى، مما يدفع العين إلى النظر لكل كلمة لوحدها، في الوقت الذي تستطيع فيه تلك العين من أن تلتقط بالنظرة الواحدة نحو خمس كلمات، وقد يلتقط العقل المحتوى الموجود في?سطر كامل، والذي يتضمن نحو أربع عشرة كلمة في نظرتين مثلاً، بدلاُ من أن ينظر إليها الفرد أربع عشرة مرة، أي بعدد الكلمات الموجودة في ذلك السطر. ويتمثل العامل الثاني في القراءة بصوتٍ مرتفع، حيث يلجأ بعض الأشخاص أحياناً إلى القراءة بصوتٍ مرتفعٍ أو بصوتٍ منخفضٍ مع تحريك الشفتين، وذلك بحجة أن ذلك يساعدهم أكثر على الاستيعاب، ولكن في الواقع ليس كذلك، لأنه قد يساعد على الحفظ مثلما يتم في حفظ آيات القرآن الكريم والقصائد الشعرية المختلفة. كما يعتقد أصحاب هذه النظرة بأن القراءة السريعة لن تؤدي إلى الفهم الجيد، الذي يت?لب القراءة بصوتٍ مرتفعٍ، مما يقف حائلاً أمام انتشار القراءة السريعة الضرورية في عالم اليوم. أما العامل الثالث فهو القراءة بالتحريك الخاطئ للعين، وهذا يؤدي للتباطؤ في القراءة، ولا سيما عندما يكون حجم الخط صغيراً أو المسافة بين السطور قليلة للغاية، وهذا ما يجعل هؤلاء القُراء إما أن يتجاوزوا السطر الذي يليه، وإما إلى أن يقوموا بإعادة قراءة السطر ذاته، مما يقلل من سرعة القراءة وتشتيت الذهن. وهنا قد يتم التغلب على هذه المشكلة باستخدام ما يسمى بالدليل البصري، الذي إما أن يكون قلماً أو مسطرةً يمر بها القارئ تحت السطر الذي يريد قراءته. ويعتبر ضعف التركيز عاملاً آخر يمثل سبباً مُهماً من أسباب التباطؤ في القراءة، حيث يكون العقل مشغولاً في أمورٍ ثانويةٍ غير القراءة من الكتاب أو القصة التي بين يديه. كما يحدث مثل هذا الضعف في التركيز ضمن الأماكن المزدحمة، أو عند استخدام التلفزيون أو المذياع، إذ تكون السيطرة للعديد من المشتتات التي تصرف عقل الفرد عن القراءة وفهمها. كما تعتبر قلة ممارسة القراءة يمثل ال?امل الأخير للتباطؤ في القراءة، إذ أن قلة ممارسة القراءة يشجع على التباطؤ فيها تماما كما يحصل في الأنشطة الرياضية، التي إذا لم يمارسها الفرد، فإنه سيفقد لياقته البدنية لا محالة، وسيبقى بحاجةٍ إلى جهدٍ أكبر ووقتٍ أطول للعودة إليها من جديد.

أما عن العوامل التي تزيد من سرعة القراءة، فيمكن القول بأنه إذا كانت هناك مجموعة من الأسباب التي تعمل على التباطؤ في القراءة، فإنه في الوقت نفسه توجد أسباب أخرى تساعد على السرعة فيها، مما يجعل من الضروري الاهتمام بها من جانب الحريصين على هذا النوع من القراءة المعاصرة. وتتمثل هذه الأسباب في التأكد من سلامة النظر، إذ أن قوة البصر ضرورية لكل شيء، فما بالك إذا كان الأمر يتطلب قراءةً سريعة. لذا، فإن على الفرد أن يقوم بعملية فحصٍ مستمرةٍ لبصره، والتأكد من سلامة عينيه، ولاسيما إذا لاحظ وجود صداع في الرأس?أو زغللة في العينين خلال عملية القراءة. كذلك فإن على من يرتدون نظارات طبية أو عدسات لاصقة أن يقوموا بزيارة الطبيب بشكلٍ دوري للتأكد من سلامة النظر. كما ينبغي عدم القراءة بصوتٍ مرتفعٍ أو حتى همساً. وهذا في العادة يتم بالممارسة أو المران. ويمكن أن يبدأ القارئ بهذه الممارسة عن طريق القراءة الصامتة مع وجود صوتٍ خارجي مرتفعٍ نسبياً، وذلك حتى يغطي على صوت قراءته، وما أن يتدرب على ذلك، حتى يتخلص نهائياً من الصوت الخارجي ويتعود على القراءة بدون صوت. ومن العوامل الأخرى التي تسرع في القراءة استخدام الدليل البصري، وذ?ك حتى يمنع القارئ من الرجوع ثانية إلى السطر الذي انتهى من قراءته أو من القفز إلى سطرٍ ثالث. ويتدرب القارئ هنا على استخدام المسطرة كدليلٍ بصريٍ لفترةٍ معينة من الزمن، حتى يتعود على القراءة الدقيقة والسليمة، ثم يتخلص من ذلك الدليل تدريجياً. كما يتطلب الأمر أيضاً توسيع مجال النظر، فعلى من يطبق القراءة السريعة أن يعمل على توسيع مجال نظره خلال اطلاعه على الكلمات والسطور، بحيث لا يتم التركيز على الكلمة المراد قراءتها لوحدها، بل ما قبلها وما بعدها لكلمتين أو أكثر أيضاً، حتى يستطيع بعدها أن يلتقط السطر وراء الآخر،?كما يفعل محترفو القراءة السريعة. وبعد ذلك يجب العيش مع المؤلف أو الكاتب وأفكاره، وهذا شرط مهم للقراءة السريعة، يتمثل في ضرورة عزل المؤثرات الخارجية والمشتتات الذهنية من حول القارئ، والتركيز على ما كتبه المؤلف، مع متابعة أفكاره خلال القراءة، ويتجول في ما يتم طرحه في الكتاب من آراء أو أفكار، وكأنه مسافر مع المؤلف من سطرٍ إلى آخر ومن صفحةٍ إلى أخرى. وأخيراً فإنه لا بد من عدم التقيد بسرعة معينة، إذ المطلوب من القارئ أن ينوع في سرعته القرائية في ضوء الهدف من القراءة، وحسب نوعية المادة المقروءة. فسرعة قراءة التص?ح تبقى غير سرعة القراءة من أجل الامتحان، والسرعة في قراءة الأخبار من الصحيفة اليومية أو من المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت تختلف عن قراءة مادةٍ للتذوق أو الاستمتاع الأدبي على سبيل المثال.

خبير المناهج وطرق التدريس

profjawdat@yahoo.com