كتب -  المحرِّر السياسي

في الوقت الذي تُستأنف فيه اليوم (الأحد) المشارورات بين الأطراف الليبية المُتناحِرة في مدينة بوزنيقة المغربية, بهدف إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وإقامة حكومة وحدة وطنية وتوحيد المؤسسات السيادية (البنك المركزي ومؤسسة النفط والإدارات الحكومية وغيرها), التي تُعاني إنقساماً أفقيا وعاموديا منذ العام 2014,، تروّج شائعات لا يمكن التقليل من المصادر التي تستند إليها, تتحدث عن «صفقة قرن كبرى» يجري التحضير لها, للتطبيق في ليبيا ولوضع حد للفوضى التي تسودها وسط تسيّد الميليشيات وانعدام الأمن وارتفاع الغضب الشعبي ضد السلطت?ن الحاكمتين في طرابلس وبنغازي, جراء الإفتقار للخدمات الأساسية من كهرباء وماء وارتفاع الأسعار وتصاعد نِسبْ البطالة والفقر, على ان تكون «صفقة القرن» الجديدة المُختلِفة (باستثناء الإسم) عن صفقة القرن الأميركية الخاصة بالقضية الفلسطينية, مُستندة الى اجراءات عملية بل وربما يصِح وصفها بالجذرية والنوعية بدءاً من مدينة سِرت, التي شكّلت منذ نجاح قوات حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج بدعم ميداني وعملي من تركيا, في السيطرة على قاعدة الوطِية الجوية الإستراتيجية, وإجبار قوات الجيش الوطني بزعامة الجنرال خليفة حفتر على ال?نكفاء الى خط سرت - الجفرة, كخط وقف للنار بين الجانبين, على نحو واصَلت تركيا وقوات السراج التهديد باقتحام مدينة سرت والوصول الى قاعدة الجفرة ذات الهمية الإستراتيجية الفائقة, كونها تُشكّل المدخل الرئيسي للجنوب الليبي ما لم يتم «تسليم» المدينة لقوات السراج. فيما عارَضت دول عديدة ذلك التوجّه بل اعتبرت مصر سرت خطاً أحمر لن تسمَح لأحد بتجاوزه, تحت طائلة التدخل العسكري المباشر في الأزمة، ما رفع منسوب التوتّر بين القاهرة وأنقرة, في الوقت ذاته الذي نشطت فيه جهود دبلوماسية عديدة... أوروبية وخصوصاً فرنسية, ناهيك عن ت?ك الروسية التي لم تتوقّف من اجل «تثبيت» وقف اطلاق النار الذي أُعلن في آب الماضي, والتمهيد لحلول سياسية بدأت تأخذ طابعاً جدياً في اللقاءات التي عقدها طرفا الأزمة في مدينة بوزنيقة المغربية, والتي من المُتوقّع إستئنافها اليوم, بعد ان سادت أجواء من التفاؤل بقرب التوصّل الى قواسم مُشتركة.

خاصة بعد ان اعلان رئيس حكومة الوفاق فايز السرّاج نيته الإستقالة في نهاية شهر تشرين الأول القريب, وهي استقالة أعلن الرئيس التركي اردوغان انزعاجه منها ولم يُعرَف بعد إن كانت انقرة ستبذل جهوداً لثنيه عن الإستقالة هذه, أم ان الإستقالة ذاتها جاءت في سياق الحديث المُتواتر عن صفقة كبرى, تعكف قوى محلية وخصوصاً دولية على إنضاجها ووضعها موضع التنفيذ في الآجال القريبة بل العاجلة, وسط تساؤلات في ما إذا كان المشير حفتر سيخرُج من المشهد نهائيا أم لا؟

وإذ كانت وقائع الأيام الليبية منذ العام 2011 قد أثبتت فشل بل عقم الرهان على اي حلول سياسية يجري الحديث عنها, في ظل تدخّلات دولية واقليمية لا تنتهي, معظمها يروم ايجاد مقعد له على طاولة تقسيم الكعكة الليبية المُغرية... ثروَة وموقعً جيوسياسياً حيوياً, في لعبة الأمم الدائرة في المنطقة العربية والبحر الأبيض المتوسط، فإن ما يجري تسريبه عن » طبيعة » بنود الصفقة المُنتظرَة تزيد من الإعتقاد, بأن ثمة ما يدفع الأطراف الليبية الى التعاطي معها بجدية وإن بحذَر شديد أيضاً, كون قبول الأطراف الليبية لها مرهون بإرادة ورضى ا?أطراف الإقليمية والدولية التي تحتضنهم, أو تكتب جدول الأعمال وتُصدِر أمر العمليات لهم أيضاً, سواء كانت سياسية أم عسكرية على حد سواء.

هنا تحضر الرسائل والإشارات والحيثيات ذات الصلة بـ«صفقة القرن» الليبية المنتظرة,..خاصة في شأن مستقبل مدينة سرت الإستراتيجية, والتي تشكل السيطرة عليها مفتاحاً للسيطرة على الهلال النفطي, الذي يحتلّ مكانة متقدمة على جدول أعمال واهتمام وسياسات الدول الغربية تحديداً وعلى رأسها الولايات المتحدة. ليس فقط بهدف الإستحواذ عليه وضمان تدفُّقه, وانما أيضاً كونه يندرج في إطار «اللعبة» النفطية والغازية المُحتدمة الآن في شرق المتوسط, والتي ستكون نتائجها في حال حسمْ المعركة (غير العسكرية حتى الآن), مؤشراً على المُعسكر الذي ?يكون بيده قرار التحكّم بالأسعار وخطوط النقل وكارتلات الشركات المُسوِّقة, كما للمُنتجين والوسطاء التي تدعمهم الدول ذات الصلة, وبخاصة بعد ان تم تحويل منتدى الشرق الأوسط للغاز الى منظمة اقليمية, تضم مصر والأردن وقبرص واليونان واسرائيل, وكانت فلسطين عضوا في المنتدى لكنها لم تَحضُر «التوقيع» على تحويل المنتدى الى منظمة إقليمية.

في شأن مدينة سرت الإستراتيجية يجري الحديث عن جعلها «منزوعة السلاح» وتحويلها الى «عاصمة» للسلطة الجديدة التي ستخلف حكومة الوفاق الحالية, سواء استقال السراج أم بقي. كون الحكومة التي يرأسها الآن ستكون قد حُلّت. والطريف في هذا الشأن (تحويل سرت الى «منطقة خضراء» هو الإستعارة أو الإسقاط الذي يتم فيه استخدام مُصطلحات سبق تطبيقها في الساحة العراقية, كالمنطقة الخضراء وصفقة القرن, كما هي حال «الرؤية» الأميركية التي طرحها الرئيس الأميركي قبل عامين تقريبا ً, وتم استخدام مصطلح «صفقة القرن» كُلما تمت الإشارة اليها.

بالطبع لن تكون سرت منطقة خضراء حقيقية قبل اعلان «هدنة دائمة» بين طرفي الأزمة والإلتزام بها ,تحت طائلة النبذ والعقوبات وبخاصة وجود ضمانات كافية من قبل أطراف اقليمية ودولية, بل أممية تمنح طمأنينية للأطراف كافة, في الوقت ذاته الذي تُسهم في إشراك مختلف القوى السياسية والحزبية والإجتماعية وتلك القبائلية والعشائرية (في بلد مُمزّق كليبيا) في هذه الصفقة, حتى لا يستاثر طرف ما بالسلطة أو يمارس الإقصاء تجاه اي قوة من تلك التي ذكرناها, ناهيك الإتفاق على موعد تجري فيه انتخابات برلمانية وفق قانون انتخاب جديد يتم التوافق عليه, وتحديد ما إذا كانت «ليبيا الجديدة» ستكون ذات نظام برلماني أو رئاسي, وهو امر خاضع لقرار الشعب الليبي.

تبقى مسألة ذات اهمية قصوى - ضمن امور أخرى بالطبع, وهي حظر «كل» الجماعات المسلحة تلك التي تحمل أسماء معروفة, او التي «فتحها» أمراء الحرب كل على حسابه عبر دمجها في جيش وطني مُوحد, خاضع لقرار المستوى السياسي المُنتخَب وتسريح مَن يرفض الإندماج أو يُدمغ بالإرهاب وعدم الإنضباط.

في الخلاصة... من المبكر الحديث عن نجاح عملية إنضاج صفقة سياسية كبرى كالتي يجري الحديث عنها الآن الاَ ان ما يدفع للتفاؤل «الحذِر» هو قناعة معظم الأطراف بأن لا حل عسكرياً للأزمة الليبية, وان حرباً تقع بين الدول الداعمة لهذا الطرف الليبي او ذاك, ستكون كارثة على الجميع وبخاصة الشعب الليبي الذي دفع وما يزال أكلافاً باهظة منذ إسقاط نظام القذافي.... حتى الان.