خيرة بلقصير

(كاتبة جزائرية مقيمة في الأردن)

لم تعُد الكِمامة مُقتصرة على الأطباء وبالأخص غالبا ما كنَّا نَراها في غُرف العمليات أو عند طبيب الإنسان بحُكم عمَله وتعامُلِه مع الفَمّ مصدر انتقال الأمراض والعدوى. لقد أصبحت الكِمامة جزءاً لا يتجزَّأ من حياتنا اليومية كأن تحمل بطاقتك الضخصية معك مثلا. الكِمَامة تقترن ببقائك سالما قدر المُستطاع، مشكِّلة بذلك الدرع الواقي والحصانة المنيعة أيضاً, وقبل ظهور فيروس «كورونا» نجد أنّ الشُّعوب المتطورة في البلدان المصَّنِعة والمكتظة تستعمل الكِمامة كوقاية من التلوّث الخارجي والغازات السامَّة.

لا شكَّ أن ارتداء الكِمامة الآن أصبح يقترن بحجم المسؤولية والوعي الذي يتحلّى به كل فرد منّا, لكن الذي يجعل مسألة ارتدائها مسألة تمويه فقط لا أكثر ومن باب الضحك على اللّحى، أنها تكون مدلّاة أسفل الدَّقن فقط.. وبمجرد اجتياز مدخل المبنى لأيّ مؤسسة أو جهة تُجبر المواطن على ارتدائها, يسحبها المرتدي لها قليلا إلى الأسفل وأحيانا تُخلع وتترك معلّقة بالأذن, فمن كِمامة إلى منشفة صغيرة تعلَّق للرضيع تحسبا لسيلان اللُّعاب أو التقيؤ!

ما أكثر ما يتقيأ المواطن صبرا واختناقا وضيقا واستهتارا وروتينا قاسيا كنظام السُّجون، غير أن أصعبها وأقساها ذلك السِّجن الذي تكون فيه أبوابه مفتوحة. إنَّ عقل الإنسان قادر على استيعاب كمّ هائِل من الكذب ثم إعادة تدويره في اللَّاوعي. إننا نُصدِّق الأشياء التي نريدها والتَّصرف الذي نختار وكيفما نشاء؟؟ تضليل الغاية والسّبب والهدف، وتحوير شكل الكِمامة من حصانة ضدّ العدوى القاتِلة إلى قِطعة أزياء أو تمظهُر زائِف أو سلوك تلصُّصي، أو مجرد خيبة معلّقة على عاتق الوجه.

أكاد أجزِم أن للكِمامة آثارا جانبية أيضا. نحن نبتلع وهْمَها في كل يوم, نحن نصدِّق أنَّنا قادمُون على تشريح ملامح الآخرين باعتبار أن إخفاء الوجه والإبقاء على العيون هو الفتنة بحد ذاتها، لكن المفارقة أن كلّ الدُّول التي حاربت النِّقاب أصبحت دُولا منقّبة بامتياز!

يحضرني فيلم «آثار جانبية» (Side Effects). الفكرة الغامضة تقول إنَّ وعينا يمكن له أن يتجاوب أكثر مع الوهم ويختلق لنفسه آثارا جانبية حتى وإن كان العلاج محلول ماء وملح, هكذا تلعب الكمامة في حياتنا دور الخِداع والتَّملق أكثر من الحماية والذود عن الجسد. بإمكانك أن تخرج من تحت غطاء كمامتك ثم تتجه إلى نفسك وتقتلها ثم تعود إلى نفسك.. فصام وجودي بين حياتنا التي نشتاق وبين واقع مختلف تماما..

لم نعد نُفرِّق بين مضامين ملامحنا.. الابتسامات اختفت, أحمر الشِّفاه تقهقر, ثرثرة النِّساء, سيجارة يتلذذ بها شاب في الطريق, الأكسجين والهواء المجاني, نتساوى جميعا في هذا الاختباء أو العقاب الواجب التقيد به, نتزاور في دواخلنا بحرية أقل وبشهقات أكثر, نضع الكمامة ونسحبها عند التحدث، نلمس أعيننا, نمسح بأفواهنا, نصافح -دون وعي- من نحب, نتشارك الأشياء, نلمس المقاعد, الأبواب, الزجاج, تأخذنا العزة بإثم الأسواق, نعكِّر صفو المخابز باكتظاظنا, نُقبِّل أطفالنا, نحتدم في كل ما هو ممنوع, ولا نريد لهذا العقل أن يحِدِّث اتّصاله بالعالم الخارجي بسلوكات صارمة جديدة.

جميعنا اليوم نتقمص حالة اللّص وهو يخفي وجهه، لكن بِفارق بسيط؛ نحن الآن نسرق أعمارنا من الوباء الشرِس الذي يتشدَّق بالنُّتوءات الصَّغيرة مثقال الذَّرة ومثقال الصّبر, لكن الفرق ما بين الموت والحياة ليس مثل هذا الخطّ كما قال النَّجاشي، بل مثل هذه الكِمامة التي لا نعيرها اهتماما.