الرأي - رصد

كشف باحثون، في مجموعة دراسات جديدة، أن الفطريات ستكون أحد أهم العوامل المحددة لاستجابة النظم البيئية للتغيرات المناخية في المستقبل، وذلك من خلال مساعدتها لأنواع معينة من النباتات على تجاوز فترات الجفاف والفيضانات عن طريق مد جذورها بالغذاء والماء. لكن هذه الكائنات ليست بمنأى عن التغيرات المناخية، كما يقولون.

ويعتمد الغطاء النباتي والغابي للأرض على ما هو تحت الأرض، حيث يتمتع حوالي 90% من جميع النباتات بنظام دعم غير مرئي يتمثل في كائنات فطرية تشكل خيوطا رقيقة تربط بين جذور النباتات، وتجلب لها الغذاء والماء.

مقابل ذلك، توفر النباتات إمدادا ثابتا من الكربون للفطريات، وتعرف هذه العلاقة التكافلية علميا باسم mycorrhiza.

علاقات تكافلية

في المؤتمر السنوي للجمعية البيئية الأميركية في أغسطس/آب الماضي، كشف باحثون عن نتائج عدد من الدراسات العلمية الجديدة حول دور الفطريات في حماية الغابات من مخاطر التغيرات المناخية.

وأظهرت هذه الدراسات، حسب موقع دورية ساينس Science، أن الفطريات قد يكون لها دور -أكبر من مجرد بناء علاقات تكافلية مع الكائنات التي تعيش حولها- بامتلاكها القدرة على تحديد كيفية استجابة النظم البيئية لتغير المناخ، من خلال قدرتها على مساعدة النباتات على البقاء على قيد الحياة في ظروف أكثر دفئا وجفافا.

غير أن دراسات أخرى أكدت أن تغير المناخ يمكن أن يعطل بدوره العلاقات التكافلية، وربما يسرع من زوال النباتات المضيفة لها.

تأتي هذه العلاقات الفطرية، حسب الباحثين، في شكلين: شجيري Arbuscular mycorrhizae، شائع في الغابات الاستوائية وبعض الغابات المعتدلة وكذلك الحقول والمروج، وفيه تغزو الفطريات الخلايا الجذرية وتمدد شعيرات رقيقة تسمى غزل الفطر.

والشكل الخارجي Ectomycorrhizal تستقر فيه الفطريات على السطح الخارجي للجذور، وتؤدي شبكات الخيوط الخاصة بها إلى نمو الفطريات على أرضيات الغابات الرطبة.

ويمتص كلا النوعين الفوسفور والمغذيات الأخرى للنبات، ويلتقطان النيتروجين من المواد العضوية المتحللة، ويساعدان في تخزين الكربون في التربة.

مساعدة انتقائية

لمعرفة أهمية العلاقة التكافلية بين الفطريات والنباتات في مجابهة آثار التغيرات المناخية، قامت كاثرين غيرينغ، عالمة البيئة في جامعة شمال أريزونا Northern Arizona University، وزملاؤها، بزراعة شتلات لمجموعتين من النباتات واحدة مع فطريات وأخرى بدونها في ظل أنظمة ري مختلفة.

ووجد الباحثون أن العلاقة التكافلية من النوع الخارجي ectomycorrhizal قد لعبت دورا مهما في تحمل الجفاف.

كما لوحظ أن نوع العلاقة التكافلية السائدة في منطقة معينة مرتبط بأنواع مختلفة من الأشجار، وأن هذه العلاقة تحدد كيفية استجابة النباتات والنظم البيئية بأكملها للتغيرات المناخي،. مما دفع العلماء للتساؤل عما إذا كانت الفطريات نفسها تساعد في تحديد نوع الغابة التي تنمو في تلك منطقة.

بحوث عربية تؤكد

في نفس السياق، بين الباحثان المصريان فاطمة عبد الرحمن أبو نوح وأحمد محمد عبد العظيم من جامعة قناة السويس المصرية، في مقال نشر في كتاب "الفطريات ذات الأهمية الزراعية للزراعة المستدامة" في أغسطس/ آب الماضي، أهمية دور الفطريات في تكيف المحاصيل الزراعية مع الضغوط "غير الأحيائية" كالجفاف والحرارة.

كما أظهرت دراسة علمية، أجراها باحثون من جامعة أسوان عام 2018، أن العلاقات التكافلية مع الفطريات توفر تكيفا خاصا للنباتات الصحراوية مع بيئتها، وتحسن أداءها ومقاومتها للضغوط الحيوية وغير الحيوية من خلال إنتاج مركبات نشطة بيولوجيا تزيد من قدرتها على تحمل ظروف الجفاف القاسية والحرارة الشديدة وتحفز نموها.

الفطريات مهددة

لكن هذه العلاقات التكافلية، كما يؤكد العلماء، ليست بمنأى عن تأثير التغيرات المناخية، كما تذكر العديد من الدراسات.

فقد أكد كريستوفر فرنانديز، عالم بيئة التربة في جامعة مينيسوتا University of Minnesota والذي أجرى محاكاة لتأثير عمليات الاحترار والجفاف على الفطريات تحت التربة في غابات النصف الشمالي للكرة الأرضية، أنه مع ارتفاع درجة حرارة الجو وجفافه ينخفض تنوع الفطريات.

وإذا ما حدث نفس الاضطراب مع تطور تغير المناخ، فقد ينخفض عدد أنواع النباتات التي تنجح في إقامة علاقات تكافلية مع الفطريات، مما قد يحرم الأشجار من العناصر الغذائية.

"لقد أصبحت الصورة أكثر وضوحا الآن، إننا لا نستطيع حقا تجاهل استجابات العلاقات التكافلية بين الفطريات والنباتات، لتغير المناخ" هكذا يقول ماتياس ريليغ، عالم البيئة بجامعة برلين الحرة Free University of Berlin في المؤتمر.