الرأي - رصد

نميل دوما إلى رؤية الإسفنج البحري كشيء ناعم ولين، إذ يبدو الإسفنج الزجاجي على سبيل المثال كمزهرية أو منحوتة زجاجية جميلة، لكن لا تدع مظهره الهش يخدعك، فهيكله البنائي قوي جدا.

هذا الأمر دفع باحثي كلية "هارفارد جون إيه بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية" (Harvard John A Paulson for Engineering and Applied Sciences SEAS) إلى محاكاة الهياكل الزجاجية للإسفنج البحري، وذلك لتصميم الجيل المقبل من المباني الأقوى والأطول وكذلك الجسور الطويلة والمركبات الفضائية الأخف وزنا.

هياكل مرنة وقوية

أفادت ورقة بحثية نشرتها دورية "نيتشر ماتريالز" (Nature materials) في 21 سبتمبر/أيلول الجاري بأن البناء الهيكلي لمربع شبكي الشكل لإسفنج سلة زهرة فينوس (Euplectella aspergillum) والموجود في أعماق البحار لديه نسبة من القوة إلى الوزن هي الأعلى مقارنة بأي تصاميم شبكية تقليدية أخرى والتي طالما استخدمت لتشييد المباني والجسور منذ قرون.

ويشرح ماتيوس فرنانديز -وهو باحث في الدراسات العليا والمؤلف الأول للدراسة- النتائج التي توصلوا إليها في البيان المنشور على صفحة كلية هارفارد قائلا "يمكننا إعادة بناء هياكل أكثر قوة ومرونة من خلال إعادة ترتيب المواد الموجودة داخل الهيكل الإسفنجي بشكل دقيق".

ويضيف "توصلت نتائجنا إلى أن إستراتيجية التعزيز القطري للإسفنج قد حققت أعلى المعدلات في مقاومة الانبعاج، وذلك بعدما اختبرناها على كمية محددة من المادة".

والانبعاج هو أحد أشكال الخلل الميكانيكي الذي يحدث للمكونات الخرسانية إثر الهزات الأرضية أو التعرض إلى إجهاد زائد، ثم لا تتحمل مكونات تلك المادة الخرسانية هذا القدر الزائد من الإجهاد وتبدأ في الانهيار.

ويعلق جيمس ويفر -وهو كبير العلماء في جامعة هارفارد وأحد مؤلفي الورقة البحثية- قائلا "تعتبر نسبة القوة إلى الوزن أحد أهم معايير تصميم الهياكل البنائية في العديد من المجالات، مثل هندسة الطيران، ويمكن أن توفر هذه الهندسة المستوحاة من الطبيعة خريطة طريق لتصميم هياكل أخف وزنا وأكثر قوة وذات تطبيقات عديدة".

حزم هيكلية متقاربة

تعتمد الإنشاءات الهندسية بداية من الجسور حتى أرفف التخزين على الهياكل الشبكية القُطرية، إذ تستخدم هذه التصاميم العديد من الحزم القُطرية الصغيرة والمتقاربة من بعضها البعض، وذلك لتوزيع الأحمال الواقعة عليها بالتساوي.

وقد سجلت براءة اختراع هذه الفكرة الهندسية في أوائل القرن الـ19 باسم المهندس المعماري إيثيل تون الذي أراد التوصل إلى طريقة لإنشاء جسور متينة من مواد خفيفة الوزن ورخيصة.

ويشرح فرنانديز الأمر قائلا "طور تون طريقة بسيطة وأقل تكلفة لتثبيت الهياكل الشبكية المربعة والتي تستخدم حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من أنها تؤدي الغرض فإنها ليست مثالية وتتسبب في إهدار المواد، كما أنها قاصرة على ارتفاع معين لا يمكن تجاوزه".

ويضيف "دفعنا ذلك للتساؤل: هل من الممكن أن نجعل تلك الهياكل البنائية أكثر كفاءة باستخدام مواد أقل والتي تحقق في النهاية نفس الدرجة من القوة؟".

الإسفنج أكثر كفاءة وقوة

لحسن الحظ كانت الإجابة مخبأة في الإسفنج الزجاجي -وهو مجموعة من الإسفنج ينتمي إليها إسفنج سلة زهرة فينوس- والذي ألهم عمليات البحث والتطوير.

ولكي يعزز هذا النوع من الإسفنج جسمه أنبوبي الشكل فإنه يستخدم نوعين من الدعامات الهيكلية القُطرية المتوازية، والتي تتقاطع وتتحد مكونة شبكة مربعة كأساس قوي لبنية تشبه رقعة الشطرنج.

ويرى ويفر -الذي درس ترابط الشكل بالوظيفة في العديد من الهياكل الإسفنجية لأكثر من 20 عاما- أن "هذه الأنواع من الإسفنج ما زالت تبهرنا بالكثير".

وبتجربة هذا النوع من الإسفنج ومحاكاته مع الواقع ومقارنة تركيبه الهيكلي بالعديد من التصاميم الهندسية شبكية الشكل الموجودة حاليا لاحظ العلماء تفوق التصميم الهندسي للإسفنج محل الدراسة عليها جميعا، إذ استطاع هذا النوع من الإسفنج تحمل الأوزان الثقيلة دون أي انبعاج.

كما أشار العلماء إلى أن البنية المزدوجة والمتقاطعة بشكل متوازي قد عززت القوة الهيكلية لهذا النوع من الإسفنج بأكثر من 20% دون الحاجة إلى إضافة مواد أخرى لتحقيق هذا الأثر.

وترى كاتيا بيرتولدي -وهي أستاذة الميكانيكا التطبيقية في جامعة هارفارد والمشاركة في الدراسة- أن "دراسة الهياكل الإسفنجية ستمكننا من تشييد البنايات الهندسية المقاومة للانبعاج، وهو ما ستترتب عليه آثار عدة مهمة لتحسين استخدام المواد في تطبيقات البنية التحتية الحديثة".