تعددت الموسوعات والكتب التي اهتم أصحابها بدراسةوتدوين تاريخ الحضارات البشرية لكنها في الغالب كتب غير عربية، ومن هذه الموسوعات (قصة الحضارة) لمؤلفه وول ديورانت، الذي بسط فيها قصة الحضارة منذ فجر التاريخ إلى يومنا الحاضر.

يقول الدكتور محيي الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1988م: كتاب قصة الحضارة لمؤلفه وول ديورانت، من الكتب القليلة التي أنصفت الحضارة العربية الإسلامية، فلقد اتسم كاتبه بالروح الموضوعية، وبالمنهج العلمي، وبالالتزام الخلقي؛ وهو من الكتاب الغربيين القليلين الذين اعترفوا بفضل الحضارات الشرقية، وتأثيرها الكبير في الحضارة اليونانية واللاتينية، اللتين يعتبرهما المؤرخون، بداية الحضارة الإنسانية؛ وأن الإنسان، إنما خلق مع الحضارة اليونانية، وهذا الكتاب، من حيث تصوره ومنهجه، جديد في تناول التاريخ، كحركة متصلة، ويقدمهفي صورة تأليفية متكاملة بما يعين على فهم فكري واضح لمسيرة التاريخ وللمعالم الحضارية ولمراحلها جغرافياً وموضوعياً، فقد وصف التراث البشريعلى هذا الأساس في خمس مناطق هي:

1 -التراث الشرقي، الذي ضم حضارات مصر والشرق الأدنى حتى وفاة الإسكندر، وفي الهند والصين واليابان إلى العهد الحاضر.

2 -التراث الكلاسيكي، وهو يشمل تاريخ الحضارة في اليونان، وروما، وفي الشرق الأدنى الذي كان تحت السيادتين اليونانية والرومانية على التوالي.

3 -ثم عرض للتراث الوسيط، فذكر حضارة أوروبا الكاثوليكية والبروتستانتية، والإقطاعية، والحضارة البيزنطية، والحضارة الإسلامية واليهودية في آسيا وأفريقيا وإسبانيا، انتهاءً بالنهضة الإيطالية.

4 -ثم استعرض التاريخ الأوروبي، متمثلاً في التاريخ الحضاري للدول الأوروبية، منذ الإصلاح البروتستانتي إلى الثورة الفرنسية

5 -وانتهى عرضه بالتراث الحديث الذي تناول تاريخ الاختراعات المادية والفكرية، بما في ذلك السياسة والعلوم والفلسفة والدين والأخلاق والأدب والفنون في أوروبا، منذ تولى نابليون الحكم إلى العصر الحاضر (قصة الحضارة، ج1، ص7-8).

كما أن العديد من كتب التاريخ الإسلامي وكتب التفسير والسير تناولت تاريخ العديد من الأمم والحضارات إما بشكل مجمل أو مفصل، ولا تزال المؤلفات العربية تشهدنقصاً في الكتب الخاصة بتاريخ الحضارات وتعتمد على ترجمات لمصنفات مثل قصة الحضارة لـ "ول ديورانت" وتاريخ الحضارات العام لأندريه إيمار.

وتكمنثمرة التدوين في معرفة تاريخ الشعوب وقيمها، ومواطن قوتها وإيجابيتها، وجوانب ضعفها وسلبيتها، ودراسة نشأتهاوحضارتها، وكيف انهارت واندرست فصارت أثراً بعد عين وأخذ العبرة والاستفادة من جوانبها الإيجابية

وقد أشار القرآن الكريم إجمالاً إلى عدد من الأمم والحضارات والقرون الماضية التي نشأت قبل الدعوة الإسلامية وما حل بها، فتحدث عن حضارة قوم عاد وثمود والفراعنة، فقال تعالى: (ألم تَرَ كيف فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العمادٱلَّتِيلَمۡ يُخۡلَقۡمثلها فِي البلاد وَثَمُودَٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَبِٱلۡوَادِ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰادِ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَاٱلۡفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ) سورة الفجر: 6-14.

وأشار القرآن الكريم إلى أن الفسادوارتكاب المعاصي وابتعاد تلك الحضارات عن القيم التي شرعها الله تعالى لهم بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام كان السبب وراء زوال وهلاك تلك الحضارات، فقال تعالى:﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[العنكبوت: 40].

واقتضت سنة الله تعالى في الناس بأن الفساد والبعد عن القيم يؤدي إلى زوال وهلاك الحضارات، قال الله تعالى: (وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًسُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلً) سورة الإسراء: 76-77.

ولطالما شهد العالم المعاصر ألواناً من البلاء نحو الهزات الأرضية والزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير، التي يطلق عليها الكوارث الطبيعية، وهي في الحقيقة أقدار من الله سبحانه وتعالى.

Dr.fadikareem@yahoo.com