في المقال السابق تحدثنا عن البحث العلمي في الأردن (ما قبل كورونا) حيث تم تشخيص واقع البحث العلمي في الأردن وإدراج عدد من معوقاته. ربما لا يختلف واقع الأردن كثيرا في مجال البحث العلمي عن نظيره من دول المنطقة إلا أن هناك عوامل خاصة في الأردن تحفز على الاستثمار في مجال البحث العلمي والتميز إقليميا ودوليا. إن أهم هذه العوامل هي الرؤية الملكية في تشجيع واستثمار البحث العلمي بالإضافة إلى تميز الموارد البشرية المحلية الأكاديمية والبحثية. لا شك أن جائحة كورونا أظهرت الخلل في منظومة البحث العلمي محليا وعالميا إلا أنها قد تكون السبب في إعادة هيكلة هذا القطاع والاهتمام به ليواكب التطورات العالمية في العلوم والتكنولوجيا ويلبي حاجات المجتمع المحلي.

من أهم الخطوات والتي يجب القيام بها بداية هي:

1) تحديد الشركاء أصحاب العلاقة وإشراكهم في وضع وتنفيذ هذه الاستراتيجية وهم الحكومة ممثلة بوزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات الخاصة والحكومية والهيئات الحكومية والمستقلة وقطاع الصناعة والطلبة.

2) يجب وضع استراتيجية واضحة ومحددة وطموحة وواقعية للبحث العلمي يشترك في وضعها أصحاب العلاقة ليتم العمل بها في سائر قطاع البحث العلمي. والابتعاد عن التفكير النظري والتنظير والتحول إلى سياسة تنفيذية براغماتية ضمن أهداف محددة، ومن ثم يجب وضع خطة تنفيذية لمدة خمس أو عشر سنوات ويتم تقييم مؤشرات الأداء في نهاية كل عام ومراجعة طفيفة للخطة التنفيذية إذا لزم.

3) لم تول الجهات المعنية بالبحث العلمي يوما الاهتمام الحقيقي اللازم و انما كانت دوما ارتدادا لما يجري عالميا مثل الابداع والابتكار والريادة ولذلك من الضروري التحول في التفكير في البحث العلمي إلى قطاع استثمار بدلا من النظر إليه كترف فكري أو لغايات الترقيات الأكاديمية.

4) من المهم ان تلعب وزارة التربية والتعليم دورا مهما في إعداد طلبة قادرين على التفكير الناقد وحل المشكلات وانتهاج أسياسات البحث العلمي في الدراسة بعيدا عن التلقين. من ناحية اخرى يجب أن تلعب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي او اي جهة حكومية اخرى دورا مفصليا بأن تكون المظلة الشاملة والمتابعة في تنفيذ استراتيجيات البحث العلمي والتشجيع الفعلي على الابتكار والريادة، وأيضا العمل مع الحكومة على توفير الدعم المالي اللازم لدعم مشاريع البحث العلمي والابتكار بأن تخصص بندا خاصا في الموازنة العامة للدولة لدعم الأبحاث العلمية بالإضافة إلى إعادة إقرار دعم القطاع الخاص للبحث العلمي.

5) للجامعات دور مهم في تنشيط البحث العلمي وذلك من خلال:

- إعداد أعضاء الهيئة التدريسية والبحثية والذين يزيدون عن 11,000 اكاديمي للتركيز على البحث العلمي والذي ينتهي بمنتج أو مشروع ريادي أو يخدم المجتمع.

- وضع حوافز حقيقية تشجع الباحثين على البحث العلمي مثل توفير أوقات معينة من الأسبوع للتفرغ للبحث العلمي ووضع نظام ترقيات أكاديمية تشجع على البحث العلمي وليس على إنتاج الأبحاث المنشورة.

- توفير جزء مهم من موازنة الجامعة للإنفاق على البحث العلمي.

- تسهيل إجراءات الباحثين في التقدم والحصول على الدعم العلمي.

- إعطاء الباحثين صلاحيات أوسع في آلية صرف الدعم ضمن ضوابط وآليات مراقبة مالية معتمدة من الجامعة والبعد عن البيروقراطية المحبطة للباحثين.

- التشجيع على العمل الجماعي والعمل ضمن فرق بحثية.

- عدم طرح أي برامج من برامج الدراسات عليا (ماجستير أو دكتوراة) والتي بلغ عددها 600 برنامج إلا إذا توفر الكادر الأكاديمي والبحثي والمالي لتنفيذ هذه البرامج.

- اعادة النظر في هذه البرامج بحيث تبتعد عن الرسائل النظرية والتكرار وتقوم بالتركيز على الجانب العملي والتطبيقي وذات البعد الابتكاري اوالابداعي اوالريادي.

- التوعية الكافية للطلبة والمشرفين على جدية رسائل الماجستير والدكتوراة.

- تشجيع طلبة الدراسات العليا على البحث العلمي من خلال حوافز تساعد الباحث ليتفرغ بالشكل الفعلي والتركيز على أبحاثه من خلال العمل كمساعد باحث خلال فترة الدراسة.

- وضع شروط مخرجات تخرج تركز على نتائج بحثية موثقة من خلال الأبحاث المنشورة في مجلات راقية أو على شكل براءة اختراع أو مشروع ريادي.

- تفعيل المغزى الحقيقي من إجازات التفرغ العلمي للأكاديميين.

- هناك دور مهم يكمن في العمل على عدم هجرة العقول واستقدام العقول المهاجرة والمتميزة في مجال البحث العلمي بل والاهتمام بالطلبة المتميزين من أوائل الثانوية العامة والجامعة واحتضانهم للاستثمار بهم بما يخدم الوطن.

6) لقد كان للظروف الاقتصادية وتعليمات الترقيات الأكاديمية دور في تراجع دور الباحثين والتركيز على غايات الترقية والدعم المعيشي على حساب الاهتمام بالبحث العلمي الذي يقومون به وتراجع مخرجاته ولذلك يجب تعديل مخرجات الترقيات الأكاديمية وشروطها لتشجع الأكاديميين في التركيز على دورهم في البحث العلمي وتشجيع وإلهام الطلبة وخصوصا في الدراسات العليا على ماهية البحث العلمي وتعظيم مخرجاته.

7) في معظم دول العالم المتقدمة بحثيا هناك دور رئيس للقطاع الخاص في دعم وتوجيه الأبحاث العلمية ذات المخرجات القابلة للتطبيق في حل مشكلات أو تطوير لمنتجات صناعة يحتاجها القطاع الخاص فعلى سبيل المثال يعتمد 60% من الصناعات في المانيا على مخرجات البحث العلمي مباشرة. لذلك يجب تعظيم دور القطاع الخاص في دعم البحث العلمي التطبيقي من خلال تشريعات تشجيعية والربط بين الصناعة والبحث العلمي ولا سيما إن نجاح الصناعات الكبيرة مبنية بشكل مباشر على البحث العلمي فهناك كثير من الأبحاث العلمية تدعمها الشركات للاستفادة المباشرة منها وقد لا تنشرها في المجلات للاستفادة الحصرية. بالاضافة الى العمل على الربط بين الصناعة والاكاديميا وبناء الثقة بينهما.

فالجانب المشرق ان الاردن يملك الموارد البشرية من باحثين وطلبة للنهوض في قطاع البحث العلمي ودعم ملكي كبير للتشجيع على الاستثمار من خلال البحث العلمي ومخرجاته الابتكارية والريادية.

Mohamed_gaith@yahoo.com