«رسائل من الشاطئ الآخر».. هي مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل.

هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الثامنة..

البحث عن وطن



مساء الخيرات صديقتي العزيزة دلال

إن حواراتنا عن الغربة والوطن أثارت لدي كثيرا من الشجون والآلام في وقت واحد، فأنا متابع لكثير من القصص والأحداث من حولي والتي لو كتبت في روايات أو صورت في أفلام ومسلسلات لأتهم المشاهدون المؤلف بالمبالغة والخيال.

ولكن مع الأسف في كثير من الأوقات تكون الحقيقة أصعب من الخيال، فهل يمكن أن نتخيل مثلا أن هناك من يبحثون عن أوطان، وأن هناك من يشترون أوطانا؟!.. نعم كما كتبت وأعيدها هناك من يقومون بشراء وطن، وهذا يحدث دائما وفي كل وقت ولكن زاد الأمر كثيرا من بعد عام 2000، وهذا الشراء أنواع وأصناف وطرق متعددة ومختلفة.

الشعور بالأمان هو ما يؤدي إلى هذه العملية التجارية بغلاف إنساني، فمع الأسف هناك كثير من الأوطان لا تعطي مواطنيها شعورا بالأمان، والأمثلة كثيرة، وكثرة المال هنا ليس أبدا سببا لهذا الأمان، بل إن أصحاب الأموال أكثر الناس تعرضا للقلق وعدم الأمان، وبشكل عام يجد المواطن نفسه في وضع مقلق دائما فهو لا يعلم إلى أين ستسير الأمور، فقد يكون مواطنا صالحا وفي حاله ولكن فجأة يصبح وراء الأسوار، أو متهما باتهامات لا يستطيع الدفاع عنها.

وعندما يصاب المواطن بمرض عضال لا يستطيع تحمل نفقات علاجه، يجد نفسه بين عشية وضحاها يبيع كل ما يملك ولا يستطيع السداد، ولا العلاج، أما عن أصحاب الأموال، فاختلاف المصالح أحيانا يؤدي إلى نتائج لا يتوقعها أحد، وتنقلب الحياة رأسا على عقب ويبحث أصحاب الأموال عن المفر ولا يجدون، والأمثلة كثيرة جدا.

وهكذا عجزت كثير من الأوطان على إعطاء الأمان لمواطنيها، فبدأ المواطنون البحث عن البديل، فهناك من يبحث بطرق مشروعة وهناك من يبحث بطرق غير مشروعة.

وكل شخص يجتهد بكل ما لديه من أدوات في البحث عن الأمان، ومن لديه أموال يقوم بشراء جنسيات أخرى تكون حصنا وظهرا له يحميه وقت اللزوم.

ونحن نسمع دائما عن ما يسمى بهجرة رجال الأعمال، وبرأيي أن هذا النوع من الهجرة هو بالضبط شراء وطن، فهل سمعنا عن رجل أعمال بريطاني أو أميركي يطلب الجنسية من دولة عربية أو أفريقية، فمعظم رجال الأعمال يذهبون بثروات إلى الدول العظمى ويستثمرون هناك مقابل الجنسية، مع أنهم لم يتركوا وطنهم الأصلي، ولكن وقت اللزوم يستطيع ركوب الطائرة والمغادرة فورا.

وما يفعله أخرون عندما تحمل الزوجة فيذهب بها للولادة في أميركا أو كندا، لكي يحصل المولود على الجنسية الأميركية، فهم يشترون وطنا لأبنهم القادم لأنهم لا يثقون في الوطن الحالي وقدرته على توفير الأمان له.

هذا عن من يمتلك أموالا، ولكن من لا يمتلك يبذل أيضا قصارى جهده لكي يهاجر ويدفع كل ما يملك ولا يملك من أجل الحصول على جواز سفر أجنبي.

الأمان يا عزيزتي كلمة السر في هذا السباق نحو الأوطان، والجميع يتسابق ليدفع ثمن هذا الأمان.

نحمد الله على الأمان الذي نعيش فيه، وفي انتظار رسالتك وردك ولا تتأخري

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك حسام،

أقرأ رسالتك وأنا أستمع إلى أخبار احتراق مخيم موريا في جزيرة ليسبوس اليونانية، حيث اللاجئين، الباحثين عن الوطن، أخبار تخدش روحي وتطلق صرخة عميقة ومريعة من داخلي، تأخذ شكل الكتابة وتدوين احتراقي الداخلي، مثلهم في البحث عن وطن.

فهل تنمحني حسام فرصة كي أستودعك صوت لهيبي، في البحث عن حصان الفرح وقصائد تغسل قلبي (كطفلة بلون الغزال البري؟

......................................



قالوا لها لم يكن سحرا أو خيالا!

قالوا لها فائض حنانها قد أنبت أزهارا وثمارا

قالوا لها كانت أمك الغزالة البرية تمسح وجه أيامك بعسل الصلاة

قالوا لها أن هدير النار المشتعلة في ضفائر الغابة قد تعثر في الوصول اليك.

قالوا لها لم يكن بريق هلال، عندما تبخرت سنابل روحها في هدير النار

صرختْ: أتنشق رائحة حليبها، برغم النار، لا تنسلوا خيوط الأمل

قالوا لها فائض حنانها قد أنبت زهرة النور لاحتضانك

صرخت: وزهرة النور تركتني وحيدة، أغمضت عيون قلبها وصارت غيمة

قالوا لها، هي النار، النار، النار، فكت قيودها واندلقت على الوديان، شلال من الأحمر الهادر، طال الغزالة البرية أمك، وأحضان زهرة النور.

صرختْ: كانت تفتح لي بوابات الحلم الشفاف، تضمني، تحميني، تمشط حيرة ضفائري، وتهديني حلما أخصب من حقول الشمس.

صرختْ: آه زهرة النور، آه ملاذي الآمن، افتحي ذراعيك، عيون قلبك، ضميني مجددا، حتى تعود أمي مع الغيوم.

لم تفتح زهرة النور عيون قلبها، تركت قناديلها مشتعلة وغابت.

هي النار، هادرة صاخبة حاقدة وملعونة كنست عيون القلب عن سطوح الغابة الشرقية.

رتلت الطفلة بلون الغزال البري، سأبحث عن أمي، فروحها العاشقة لم تغادر الدار.

على شفتيها أهزوجة وحلم ونداء، تنقلت بين الغابات تتبع قناديل الضوء، فراشات الضوء، ورائحة حليب يفيض نوافير ضياء.

تعبتْ، جف رحيق ندائها، شربتْ ماء من بئر الغربة وسقطت فيه (أغيثوني)

نداءاتها أجفلت قطعان الغابة وطيور المحبة

قالوا أن البئر مسكونة بأرواح طردت من نعيم الشمس

قالوا أن البئر تغلي بلهيب شوقها

قالوا قناديل عيونها توقظ صمت الموتى

حتى جاء الأمل وأضاء وجهها وسطح ماء البئر بنشارات ضوء القمر

سحبتها خيوطه، وشهوة الحياة، من قاع البئر

طفلة بلون الغزال البري سحبت خيوط الحكاية من أرض العندليب

قالوا لها تورق في جراحك براعم التذكار

قالوا لها ينفرط الحنين من شهد عيونك يبلل جفاف أيامنا

قالوا لها الأم البيت الوطن، حصان الفرح

................................................

هذه صرختي وأجراسي البيضاء، فهل أستودعك كلماتي لأنام على ضفاف الحكاية، بأمان؟

إبقى بخير حسام

د. دلال مقاري باوش