لم يكن الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي ألقى كلمته «المُسجّلة» بعد كلمة ترمب المُسجَّلة أيضاً, يعلم عند «تأكيده» أن بلاده «لا تريد حرباً باردة أو ساخنة مع أي دولة»، أن نظيره الأميركي كرّس كلمته «الأقصَر» منذ تسلّم منصبه، ولكن الأشد هجوماً وانتقاداً لاذعاً ومريراً للصين, استعاد فيه وصف كورونا بـِ«الفيروس الصيني", داعياً لمعاقبة الصين بعد تحميلها مسؤولية انتشار الجائحة, مخترعاً رواية لم تؤكدها مصادر محايدة أو معادية بأن بيجين سمَحتْ باستمرار الرحلات الجوية الخارجية (لنشر الفيروس في العالم) فيما – والقول لترمب – أبقتْ الحظر على الرحلات الداخلية في فضائها المحلي.

وإذا كان المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة قد «هاله» حجم الانتقاد وضراوة الحملة الشرسة التي شنها ترمب، فقام بالردّ على الرئيس الأميركي قبل كلمة رئيسه «شي»، مُندِّداً (السفير الصيني) بخطاب ترمب واصفاً اياه بـ«خطاب تنمّر، يحمل ادعاءات باطلة ولا يعدو كونه نشر لفيروس سياسي»، إلاّ أن ذلك لم يُسهِم في منح انطباع بأن الأمور بين واشنطن وبيجين سائرة نحو التهدئة, بل تبدو الانتخابات الرئاسية السبب «المُضاف» الذي يدفع ترمب إلى مواصلة هجومه وتجاوز كل حدود اللياقات السياسية والدبلوماسية في الإساءة إلى خصم أو منافس عندما يقول في خطابه: إن الصين ذات سِجلّ بيئي سيء مُتهماً إياها بالإفراط في الصيد وإلقاء المواد البلاستيكية في المحيطات, مُضيفاً أنها تُطلق المزيد من الزئبق السام أكثر من أي دولة أخرى.

لا يتوقّف ترمب عن استثمار أي قضية او ملف دولي أو إقليمي للترويج للسياسات التي انتهجها طوال ولايته، بل يذهب بعيداً في الحط من قيمة ودور الدولة الأقوى في العالم, عندما يُكرٍّس نفوذها الكبير خدمة للمشروع الصهيوني الكولونيالي الاستيطاني, بهدف استمالة مزيد من الأصوات التي يعتقد انها قد تنقذ سفينته الجانحة لدى الجمهور الأميركي, الذي بات على درجة غير مسبوقة من الاستقطاب, لم يتردد كثير من المراقبين في ترجيح سيناريو «الحرب الأهلية» أو انتشار الفوضى, في اليوم الذي يلي إعلان نتائج انتخابات الثالث من تشرين الثاني القريب. وهو أمر لم يعد مَن يتنبأ به جاهلاً على ضوء ما بات يميز الحملة الانتخابية الرئاسية من شراسة والتي ستتجلى بعض مظاهرها في المناظرة الأولى بين ترمب وبايدن يوم 29 الجاري.

رهان ترمب على إجراءات وقرارات «قاسية» اتخذها ضد الصين في الحرب التجارية التي اعلنها باتت غير واقعية, بعد تأكيد الخبراء أن بيجين «ربحت هذه الحرب» ولم تُسهم إجراءاته بكسر الميزان التجاري لصالح واشنطن, ناهيك عمّا يحدث من انقسام في المعسكر الإمبريالي واتضاح عزلة واشنطن عالمياً وبروز تصدّع «نِسبيّ» في مواقف حلفائها في لندن وباريس وبرلين.

في المجمل، خطاب تنمّر ترامبي أشّرَ ليأس من احتمالات تجسير هوّة استطلاعات تميل لصالح بايدن، فيما كان «شي» هادئاً ورزيناً عندما وصفَ بلاده «بأنها أكبر دولة (نامية) في العالم, وهي دولة مُلتزمة بالتنمية السلمية والمفتوحة والتعاونية والمُشترَكة»..

.. ومع ذلك يصعب عدم وصف ما يحدث بينهما...بغير «الحرب الباردة».

kharroub@jpf.com.jo