د. يوسف عبدالله الجوارنة أكاديمي أردني

يَبْدو أنَّ عبارة (العَمائم واللحى) في خُطْبةِ الحَجَّاج بن يوسف الثَّقفيّ (ت95هـ) الشّهيرةِ في المسجدِ الجامعِ بالكوفة، يوم انْتدبَه عبدُ الملك بنُ مروانَ (ت86هـ) أميرًا على العراق سنة (75ه)، إذْ قال منها (نقلًا عن «جَمْهرة خُطب العرب» لأحمد زكي)، بعد أنْ حَسَرَ اللثام عن فيه: «أَمَا والله إنّي لَأَحْملُ الشَّرَّ بِحِملِه، وأَحْذُوه بِنَعله، وأَجْزيه بِمِثله، وإنّي لأرى أبصارًا طامحة، وأعناقًا مُتطاولة، ورُؤوسًا قد أَيْنعتْ وحانَ قِطافُها، وإنّي لَصَاحبُها، ولَكأنّي أَنْظر إلى الدِّماء بين العَمائم واللحى تَتَرقرق»- أَوْحت إلى طه حسين (ت1973م) أنْ يُنشئ قصيدة مطلعُها «جَلْسةٌ في الضُّحى بين العَمائم واللحى»، تَبرّم فيها من اللجنة العلميَّة لامتحان درجة الدّكتوراة (العالِميَّة/ الأستاذيَّة) في الأزهر الشَّريف، كان تقدّم لِنَيْلها لِيُصْبحَ أستاذًا في الجامعة، وفَشِلَ في الحُصولِ عليها أمامَ اللجنةِ المُكوَّنة من اثنَيْ عَشَر أُسْطونًا من أساطينِ العلم، اجتمعوا في إحدى القاعات ضُحى يومٍ من الأيام ليمنحوه إيّاها؛ فأخفق.

وكانت الجلسةُ بَدأت -كما سمعتُها في مقطع فيديو للدّكتور علي جُمْعة، مُفتي الدّيار المصريَّة سابقًا- بأنْ طُلِبَ من طه حسين أنْ يقرأ، فبدأ بقراءةِ «الفاتحة»، وإذْ قالَ: (بسم الله الرحمن الرّحيم)، قيلَ له: كفى يا طه، وسألَه أحدُهم: يا طه، ما تقولُ في اسمِ الجلالةِ «الله»: أهو عامٌّ أم خاصّ؟ مُطْلق أم مُقيّد؟ كُليّ أم جزئيّ؟ فقال طه: هو جزئيٌّ. فيردُّه السائل: أخطأتَ يا طه، لأنّه لو كانَ كما تقول، لقامتْ عليه مُشخِّصات. فيقول طه: إذنْ هو عام، فيردّه: أخطأتَ يا طه، لأنّه لو كانَ، لَجازَ وقوعُ الشّركةِ فيه. وهكذا راحوا يُخطّئونَه في كلِّ جواب، ثمّ قالوا له: يا طه، هذه التّقسيماتُ والإطلاقاتُ من عِلْم المَخْلوقين، واسمُ الجلالة (الله) لا تَجوزُ عليه هذه المُسمَّيات.

والذي يظهر أنَّ طه حسين أَنِفَ منهم وغَضِبَ، وضاقتْ عليه مصرُ بما رَحُبت، وراحَ في قصيدته يُعرِّض بهم، ويَصِفُهم بأبشعِ الأوصافِ وأشنعِها، ثمّ وَلَّى وَجْهَه شَطْرَ أوروبّا حيث أساطينُ الاستشراقِ ودَهَاقنتُه، فأخذَ شهادةَ العالِميَّة هناك، وعاد إلى مصر أستاذًا في الجامعة المصريَّة.

ومن قائل: إنّ زكي مبارك (ت1952م)، هو مَن كتبَ مقالةً وَسَمَها: «ضاعَ العلمُ بين العمائمِ واللحى»؛ إذْ لم يُفْلح هو الآخر في امتحان العالِميَّة الأزهريَّة، قال ذلك الأستاذ السُّعوديّ مصطفى عطَّار، في حفل تكريم السُّعوديّ محمد بن سعد بن حسين (ت2014م)، قال: «استطاعَ أنْ يَنْتزعَ اعترافَ عمالقةِ الأزهرِ العلماءِ الأجلاءِ، الذين لم يستطعْ الدكتور زكي مبارك والدكتور طه حسين أنْ يَتحصَّلوا على درجة الدُّكتوراة التي كانت تُعْرفُ باسم (الأستاذيَّة) في الأزهر الشَّريف».

وذهب عَطّارٌ في كلمته المنشورة في منتدى «الاثنينيَّة» الثقافيّ الأدبيّ على الشّابكة (منتدى يُعقد مساءَ كلِّ اثنين بدارة مؤسِّسه الأستاذ عبد المقصود خوجة بجُدَّة)، إلى أنَّ زكي مبارك هو المقصود في الإخفاق، وأنَّ محمّد بن سعد -المُحتفى به- يُخالفه في ما ذهب إليه، ويؤكّدُ ما سَمِعْتُه من الشيخ علي جمعة، أنَّ طه حسين هو الذي أخفقَ في الحُصولِ على الدّرجة المُشارِ إليها. وأكَّد هذا أيضًا عائض القرني في كتابه «أغلاط في التاريخ». ونقل أبو سعيد النَّجدي في «ملتقى أهل الحديث»، أنَّ الفقيه السُّعوديّ الشيخ عبد القادر شيبة الحمد (ت2019م)، ذكر أنَّ مؤلف «ساعة في الضُّحى بين العمائم واللحى» هو طه حسين، وسببُ تأليفِه أنَّه لم يَجْتز الاختبارَ الأوَّل في عالِميَّة الأزهر، وهو «عِلْم الأُصُول».

والصَّحيحُ أنَّ «القصيدة» -التي لم أظفر بها- هي لطه حسين، وما قاله مُصْطفى عَطّار فيه خَلْطٌ بين شخصيّتي طه حسين وزكي مبارك؛ ذلك أنّ الشّيخ علي جمعة في مقطعه، أشار إلى أنّ ما جرى بين طه واللجنة سَمِعه مِن مَشايخه في الأزهر، وقد أثبت ذلك محمّد محمود زيتون في مقاله «فَلْنَهدم الجامعة»، نشره في «مجلَّة الرّسالة» (ع 894، 21/8/1950م)، ويَعيبُ فيه المُتخاذلين ودُعاةَ الفتنة، قال: «ونَمْضي سراعًا إلى زكي مبارك يُحاضر بجمعيَّة الشُّبان المَسيحيّين في موضوع «تَشْريح آراءِ طه حسين»، ويَدَّعي أنَّه يَكْشفُ النِّقابَ عن سِرِّ عَظَمةِ طه، التي مَرْجعُها أَسَاطيرُ شاعتْ بين النَّاس، كتلك القصيدةِ التي قالَها طه في هجاءِ شُيوخِ الأزهرِ الذينَ أَسْقطوه في امتحان العالِميَّة، والتي عنوانها (ساعة في الضُّحى بين العَمائم واللحى».

وأكَّد هذا الأديبُ المصريُّ الطَّبيبُ غريب جمعة، إذْ نَقَلَ في حديثه عن «الإمام محمَّد الخضر حسين التونسيّ الذي رَفَعَه عِلمُه وجِهادُه إلى مَشْيخة الأزهر"- نَقَل عن مجاهد توفيق الجنديّ مؤرّخ الأزهر (ت2018م)، قوله: «وطه حسين حاقدٌ على الأزهر الشَّريف، رغم أنَّه أَكَلَ من خيراتِ الأزهر، ولَحْمُ أكتافِه مِن خيراتِ الأزهر، وجَلسَ في زاوية العُمْيان يَحْترمونه، ويأكلُ ويشربُ ويَكْتسي على نَفَقةِ الأزهر الشَّريف، حيث كان فقيرًا. الأزهرُ الشَّريف خيرُه على أَشْداقِ الذين دَرَسوا فيه، ورغم هذا يَشْتمونَ الأزهر ويَلْعنون المَشايخ. طه حسين يَشْتم اللجنة التي ناقشته في العالِميَّة، في قصيدةٍ طويلةٍ يشتم فيها المشايخ، «هي»: جلسة في الضُّحى بين العمائم واللحى». (ينظر: صحيفة «أخبار الخليج» البحرينيَّة، الجمعة: 4 أيار ٢٠١٨م).

ولا أريدُ بالأكابرِ والأصاغر ما هو مُدوَّنٌ في أدبيَّاتِ علومِ الشَّريعةِ، ومنها علمُ الحديثِ على وَجْهِ الخُصُوص، من روايةِ الأكابرِ عن الأصاغر، وتَصَدُّرهم للدَّرس والفَتْوى بوجودهم، فذلك بحثٌ مَخْصوصٌ مَظانُّه المَصَادرُ الخاصَّة بتلك العلوم. ولا بأس من الإشارة هنا إلى شيءٍ مِمَّا قيل في هذا السّياقِ، وله صلةٌ بموضوعنا، فقد قال الخطيبُ البغداديُّ (ت463هـ) في كتابه اللامع «الجامع لأخلاق الرّاوي وآداب السّامع»، في ما أخرجه بسنده عن عبدالله بن المعتزّ قوله: «الجاهلُ صغيرٌ وإنْ كان شيخًا، والعالمُ كبيرٌ وإنْ كان حَدَثًا». ونقلَ ابنُ مُفْلحٍ الحَنْبليّ (ت763هـ) في كتابِه «الآداب الشَّرْعيَّة» عن أبي الوفاء بن عقيل الحَنْبليّ (ت513هـ) في كتابه «الفنون»، «أنَّ سبعةً من العُلماءِ ماتَ كُلُّ واحدٍ منهم، ولهُ ستٌّ وثلاثونَ سنةً، فَعَجبتُ من قُصورِ أَعْمارِهم مع بُلوغِهم الغَايةَ فيما كانوا فيه»، وذكرَ منهم في عُلومِ العربيَّة وآدابِها ابنَ المُقَفَّعِ، وسيبويْهِ، وأبا تَمَّامٍ الطَّائيّ. وقال الشّيخ بكر عبدالله أبو زيد (ت2008م) في كتابه «التَّعالُم وأثرُه على الفِكْر والكتاب»: «وإنّي في هذا لا أُغْمض الشّابَّ اليافعَ؛ إذْ العلومُ لا تُقاسُ بالأشبار، ولا بِعِظمِ الأجسام، وليس هو المَعْنيَّ؛ إنَّما المَعْنيُّ الحَدَثُ في العلم». وقال علي العمران في كتابه «العُلماء الذين لم يَتَجاوزوا سِنَّ الأشد»: «المَقْصودُ من النَّهي عن التَّصدُّر في زمن الحَداثة والشَّباب هو غيرُ المتأهِّل، أمَّا مَنْ تَأهَّلَ للتَّدريسِ ونَحْوِه، فَصِغرُ السّنِّ ليس مانعًا من ذلك».

ولا أُقلّلُ في مطلع المقالِ مِنْ قَدْر طه حسين، ولا أَنقصُه حقَّه، وليس مِن غرضي أنْ أُعطيَ رأيًا فيه، أو أؤلِّبَ عليه! لا، وإنّما أُشير مِن خلالِ هذه الواقعةِ الشَّهيرةِ في تاريخ الأزهرِ الشَّريفِ إلى أمرينِ اثنين (إيجابيّ وسَلْبيّ)، يَتَّصلان بما أرمي إليه في هذا المقال من وَهَج الظّاهرة في الجامعات والمؤسَّسات العلميَة، وعُلوِّ كَعْبِ كلٍّ من الأكبرِ أو الأصغرِ في العلم ورُسوخِهما فيه من عدمهما؛ فإنَّ واقع الحال يَشي بتَباينٍ في مُدخلات كلٍّ منهما ومُخْرجاته، بل إنَّ الجدليَّة بين «أصحابِ الحُظوظ» الذين تَمْنحُهم الظُّروفُ بَسْطةً في المالِ والسُّلطةِ، وسِطَةً في الجاهِ الزّائف- و«أصحابِ العُقول» الذين نأتْ بهم كفاياتُهم المَعْرفيَّة عن المَشْهد، لها أثرٌ كبيرٌ في تقدُّم أحدهما أو تأخُّره، وعادة ما يَكونُ القِدْحُ مُعلًّى لأصحاب الحُظوظ.

أمّا الأمرُ الأوَّلُ (الإيجابيُّ)، فَيُمثّلُه الأكابر، ويَتعلَّق بظاهرة العالِميَّة عند أَسَاطين العلم في كلِّ عصر، ومَشايخُ الأزهرِ هنا - أي في زمانِ طه حسين وبُعيدَه- نَموذجٌ حيٌّ وصارخٌ عليها، ومَنْ على صُورتِهم البَهيَّةِ مِن عُلماء اليوم وأكابرهم. ومن خلال هذا النَّموذج العَصيِّ على الذَّوبان، نجدُ هيبةَ العِلْم ماثلةً في نفوسِ أَصْحابه؛ فإنَّ العالِمَ يَعْلو وتَعْلو به هِمَّته، ما اتَّخذَ لنفسه رُكنًا رَكينًا في رحابِ العلم، وابتعدَ بنفسه عن سَفْسافِ الأمور وبُنيّات الطّريق، وتَعَالى في الأُفق، وتَمَاهى مع الحقائق، وعاشَ راهبًا في صَوْمعة العلم والأفكار، لِتَصْفوَ له نفسُه «كالماءِ يَجْري على الصَّفا»، فيكون كالحديقة الغنّاء فيها من كلِّ الصُّنُوف، هم طُلّابُه وخُلصاؤه الذين يَخْتلفون إليه، ويُولُّون وجوهَهم شَطْرَه في كلِّ لحظةٍ من لحظات الطَّلبِ والتّلقّي؛ فيصحبُهم صُحْبةَ سيبويهِ قُطْربًا: كأنَّك قُطْربُ ليلٍ، وصُحْبةَ الخليلِ سيبويهِ، يَهَشُّ له ويَبَشُّ: أهلًا بزائرٍ لا يُمَلُّ؛ فتلتقي الأرواحُ حيث الصّفاء والنّقاء، والتَّحلّي بعد التَّخلّي.

وأمّا الأمرُ الثاني (السَّلْبيُّ)، فَيُمثّلُه الأصاغر، ويَتَعلَّق بظاهرة التَّعالُم الزَّائف التي يَتَصدَّى لها حَفْنةٌ من أَنْصافِ المُتعلِّمين العابرين في كلّ عَصْر؛ يَتَّصفون بالغرور والادّعاء، ويَعدّون أنفسَهم في العلم حُجَّة لا تُبارى، وركائزَ فيه لا تُجارى، ويَتَصدَّرون للعلم فيهرفون بما لا يَعْرفون، ويُفتون في مَسائِله من حيثُ لا يعلمون، وإذا ما اعتلَوا مناصبَ، وغدا لهم بها جَلَبةٌ وهَيْلُمان، راحوا يَنْهَون ويأمرون، ويُجَوّزون ما لا يَجُوز، ويَمْنعونَ ما حَقُّه كائنٌ يَجوز، وهُمْ على طريقتِهمُ السُّوأى في الإدارةِ هذه والتَّعليم، ومَنْحِ صُكوكِ الغُفْرانِ لِمَن هَبَّ ودَبَّ من المُتردّية والنَّطيحة وما أكَلَ السَّبُعُ، إنّما يَدْفعونَ بالبلادِ والعبادِ نحو الهاويةِ؛ فلا هم -والله- مِن طبقةِ الأوَّلين ولا يُدانونَهم بحالٍ؛ الذين إنْ جَاهوا يَجيهونَ بحقّ، وحُقَّ لهم الجَاهُ في مِحْراب العلم، ولا تلامذتُهم مِن طبقةِ طه حسين وزُملائه مِن المُبرّزين، ولا يُقاربونَهم بحال.

وقد وقف الشّيخ بكر أبو زيد عند هذه الطّائفة في كتابه «التَّعالُم» آنف الذّكر، ووصفَ أهلها وصفًا دقيقًا، كَشَفَ عن مكنوناتِها وخباياها، إذْ قال: «مِن مَظاهرِ التَّعالُم أفاعيلُ أُغَيْلمةٍ أخذوا يُقَهْقهون على كراسي التَّعْليمِ بغرائبَ يُبْدونها أو يَبْتدئون اخْتراعَها، فَشَغَلوا أهلَ العِلْم بِصدِّها وافتراعِها، وامتطَوْا بيداءَ الكذب، وهي قاعٌ صَفْصَفٌ لا تَنْتهي أَطْرافُها، وسالكُها لا يَبْرحُ مكانَه؛ ظنَّ المِسْكين أنَّه قد رَكبَ نفسَه، فَسَارت به إلى سَاحةِ العِلْم ورياضِه، لكنَّ واقعَ حالِه أنَّ نفسَه قد رَكبتْه ونَازَعتْه، فكلَّما أرادَ أنْ يَسيرَ إلى الأمامِ خُطوةً جَرَّتْه إلى الوراء خُطُوات، فأضحى في رائعةِ النَّهار عَرِيًّا عن الفَضَائل، واضْمَحلَّ بين المَلا كَضَرْطةِ عَيْرٍ في العَراء».

وقس على هذا الوصف الدَّقيق شَطَحاتِ هؤلاء وشِنْشِناتِهم في إدارة المؤسَّسات العلميَّة، وخُرُوقاتِهم القاتلةِ في سياساتِها الأكاديميَّة والتّعليميَّة، وتَجلّياتِهم بانحرافِ بُوصلتِها نحو الهاوية، والشّلليَّة، وقتلِ الإبداع وروح المُبادرة، ورَفْعِ أصاغرِ العلمِ وتَقْريبهم، وإبعادِ الأكابرِ وتَهْميشهم، والهُبوطِ بالمؤسَّسات إلى دَرَكاتِ التَّصنيفِ العالَميّ، والتَّردّي العلميّ، والمَدْيونيَّاتِ المُفْتعلة، وما شئتم من شيءٍ بعدُ؛ قلَّة أدبٍ، وانعدامَ ضميرٍ، وتَنَفُّجًا (الفخرُ بما ليسَ عندَ المرءِ ولا فيه)، وغَطْرسةً وخُيلاءَ؛ يَظنُّون أنفسَهم أحسنَ النّاسِ وأَسْعدَهم، وأصفاهم وأنقاهم! ولكن، هيهاتَ هيهات أنْ يُساوي السَّفحُ القمَّة!

والظّاهرة الأُولى التي يُمثّلُها الأكابرُ من الأساطينِ الذين يُنْتِجون العُلماءَ، ويُبقون العلمَ حيًّا في نفوس الأجيال، ويَظلُّ له حُرمةٌ مَعَهم، ولا يَفتأ التَّعليمِ والتَّعلُّمِ بين أيديهم له حَلاوة وعليه طَلاوة، وتأبى المؤسَّسات العلميَّة في ظلالهم إلّا أنْ تَظلَّ شُموسًا ساطعاتٍ في السَّماءِ- لا أُبالغُ إذا قلتُ: تكادُ هذه الظّاهرةُ الحميدةُ تَنْقرض؛ لاختلاف الزّمان، وتَبدُّلِ النُّفوسِ وتَغيُّرِ الأحوالِ، وطُغيانِ المادَّة في حياةِ بعضِ النّاس الذين يَتَصدَّرون وتُفتح لهم الأبواب؛ يَكْثرون عند كلِّ طَمعٍ، ويَقلّون عند الفزع، قد فَقَدوا إِحْساسَهم بأنفسِهم، بَلْهَ إِحْساسِهم بالأشياءِ من حَوْلِهم، فكيف يُطالَبون بما يَفْقدون ولا يُطيقون؟ وإنّما يَلْعنُهمُ النّاسُ، ويَلْعنُهمُ الشّاعرُ العَرْجيُّ (ت120هـ) أنَّهم: (أَضَاعوني وأيَّ فتًى أَضَاعوا؟ ليومِ كريهةٍ وسَداد ثَغْرِ). وهم ما دَرَوا أنَّهم قد يُصيبهم حديثُ حُذيفةَ بنِ اليمان، قال: قال رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تَقومُ السَّاعةُ حتّى يكونَ أسعدَ النّاسِ في الدُّنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعَ» (المسند/ 23303)، واللكَعُ عند العَرب –كما في «النّهاية» لابن الأثير- هو العَبد، أو اللئيم، ثُمَّ اسْتُعمِل في الحُمْق والذَّم، وقد يُطلقُ على الصَّغير، وإنْ أُطلقَ على الكبيرِ أُريدَ به الصَّغيرُ العلمِ والعقل.

والمعنى أنَّ حالًا هذه صورتُها، ويَتَصدَّر المَشْهدَ فيها «أصحابُ الحُظوظِ» من المُتردّيةِ والنَّطيحة، تُنذرُ بِخَراب العمرانِ، وأُفولِ نَجْم المَدَنيَّة قرنًا، بل قرنينِ من الزَّمان.