أشعل الوصف التحذيري المثير الذي أطلقه الرئيس ميشال عون حول «صيرورة» الازمات المتدحرِجة, التي تعصف بلبنان في حال تواصل التراشق والخلافات بين القوى والاحزاب والمرجعيات الدينية, التي دخلت على خط الازمة واتّخذت لنفسها موقعاً سياسياً صارخاً, اقرب الى شدّ العصبيات والتحضير لمشهد دموي آخر, قد يكون أشدّ خطورة وأكلافاً من الحرب الاهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً, وربما تفضي الى اندثار لبنان (كما تنبّأ وزير خارجية فرنسا) او تقسيمه اوعبر «فدرلَته", كما لوّح ويلوّح قادة روحيون وآخرون في احزاب انعزالية.

نقول: اشعل عون نقاشاً وتراشقاً صاخباً في مشهد مُتهتّك محمول على انفجار اجتماعي قريب, في حال تفشت مظاهر الجوع والعوز التي بدأت تطل برأسها, جراء إفلاس الخزينة وانسداد أفق المساعدات والقروض التي باتت تربطها باريس وخصوصاً واشنطن, بتشكيل حكومة يكون اعضاؤها من الإختصاصيين (في بلد يعتمد المحاصصة الطائفية والمذهبية وتُركز قياداته المُتناحِرة على «مبادئ» الزبائنية والإستزلام.

«ذاهبون الى جهنم» هكذا لخص عون ما ينتظره لبنان إذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة, تؤشر المعطيات انها لن تجترح المعجزات وأن مهمتها ستكون صعبة إن لم تكن مستحيلة. وسط أجواء لا تدعو للتفاؤل بعدما اختارت واشنطن وباريس بدرجة أقل (وفق الاهداف الاميركية نفسها)، ناهيك عمّا تقوم سفارات اقليمية وخصوصاً عربية, تعمل حثيثاً على نقل التراشق الاعلامي والتصعيد الكلامي الى المتاريس الطائفية والمذهبية المفضية حتماً الى حرب اهلية ستأخذ لبنان الى مربع الاحتضار والتقسيم.

ثمة قوى سياسية وحزبية وروحية, تراهن على فك التفاهم بين التيار الوطني الحر الذي يقوده صهر رئيس الجمهورية وحزب الله (اتفاق «مار مخايل") الموقّع عام 2006 (اربعة اشهر قبل حرب تموز).

رهان طالما داعب احلام الذين تضرّروا من توافق قوتين سياسيتين وازنتين (دع عنك قوة الحزب العسكرية), ما افشل الكثير من المؤامرات التي استهدفت الحزب وسلاحه, والتي كادت في العام 2008 ان تفضي الى حرب اخرى قادتها قوى مذهبية وطائفية ارادت تصفية حساباتها المؤجلة مع الحزب, فضلاً عما وفّرته الحرب على سوريا في العام 2011 من فرصة اخرى لشيطنة الحزب وتحميله تبعات تدخّله في الازمة, بعد اتخاذ الحرب (في سوريا وعليها) منحى خطيراً, تمثّل في مؤامرة تقسيم سوريا وإقامة كيانات طائفية ومذهبية وعرقية.

ليس الخلاف على مَن يَشغل حقيبة المالية ومن هي الطائفة صاحبة «الحق الميثاقي» في الإستئثار بها، رغم الضجيج الذي يجري حولها الان, بقدر ما تسبطنه الحملة الرافضة منح الطائفة الشيعية هذه الحقيبة عبر اهتبال الفرصة السانحة لعزل حزب الله ومحاصرته, تمهيداً لاستدراجه الى مواجهة عسكرية داخلية تستدعي بالضرورة تدخلاً خارجياً يفضي الى دمج لبنان في معسكر إقليمي آخر, بدأ يزداد قوة بعد التطورات المتلاحقة في المنطقة.

من المُبكر جزم الذهاب الى جهنم حقاً, في حال لم تُشكّل حكومة جديدة. ورغم ذلك فإن لبنان المنكوب إن ذهب في هذا الاتجاه, فإن «نيّات» القوى السياسية والروحية السيِّئة هي التي تُمهّد لمصير مأساويّ كهذا.

kharroub@jpf.com.jo