فَرَضَ كورونا على متخذي القرار، خطة طوارئ تربوية، باعتماد مبدأ التعليم الالكتروني كحل وحيد يُبقي طلبتنا في مناخ الدراسة ويمنع تشتّتهم لوقت طويل عن المدارس أو الجامعات، منذ منتصف آذار الماضي وحتى اليوم، وهذا مرشح للاستمرار في ظل تزايد الانتشار المجتمعي للوباء، إذ أصبح الامر منوطاً بالطالب نفسه، من حيث الرغبة بالتعلم وحُب الانضباط والتفكير الاستباقي وإنصرافه نحو الاستثمار الايجابي للشبكة العنكبوتية.

وزارة التربية اضطرت لإستثناء طلبة الثانوية العامة، من التعليم الالكتروني، وتخيير أهالي طلبة الصفوف الثلاثة الاولى بإرسال أبنائهم للمدارس، أو اختيار التعليم عن بعد، لكن ماذا بخصوص طلبة الجامعات؟، الوضع صَعب ومُربك خصوصاً وأن التعليم المباشر في الجامعات ضروري، والتواصل بين الطالب وأستاذه مطلوب، خصوصاً وأنه انقضى فصلان دراسيان دون أن يلتقي الطالب بأستاذه، وهناك فصل ثالث على الأبواب يُرجح أن يكون عن بُعد أيضاً، ولدينا طلبة جُدد يلجون الجامعات لأول مرة، فهل نحن بحاجة الى تفكير جديد بهذا الخصوص وضوابط معينة يمكن اعتمادها لطلبة الجامعات؟.

آراء الطلبة تنقسم بين مؤيد للتعليم عن بُعد ورافض، والمُدرسون أيضاً تنقسم آراؤهم أيضاً، لكن هل نتطلع الى تجارب دول أخرى إختارت مسار التعلم الالكتروني منذ سنوات، ونجحت فيه، وهل نستفيد من المنصات المجانية المحلية والعالمية، ومزودو الخدمة، التي تنشط هذه الأيام وتوفر كماً كبيراً من المحتوى العلمي وأدوات التعلم والتدريب الرقمي المجاني، من أجل توسيع آفاق طلبتنا علمياً والخروج من الاسلوب التقليدي في التعليم، والدراسة من أجل العلامة والامتحان فقط؟.

بالمقابل يبدو تَقبُّل المبدأ في بعض المواد التطبيقية والمخبرية والمنهجية الجامعية، صعباً للغاية كونها مهمة مستحيلة للمدرسين قبل الطلبة، وهذه المُعضلة يمكن تجاوزها وإلزام الطلبة بالحضور المباشر، أو تمديد العام الدراسي الجامعي، ولنعترف انه ليس لدى كل المدرسين قدرة على التعامل مع تقنيات التواصل الحديثة، اذا ما نظرنا الى الاجيال المتفاوتة بينهم، كما انه ليس لدى كل الطلاب قدرة على توفير حزم الانترنت المطلوبة للتواصل المستمر مع منصات التعليم الرقمية.

الحالة التي فرضها وباء «كورونا» على الاردن والعالم، كشفت واقعنا وإستعداداتنا لحالات الطوارئ، وحفزتنا للولوج الى مساحات أخرى غير تقليدية في كثير من القطاعات، وسرّعت في تطبيق بعض السياسات ولو على عجل لتدارك الفراغ والعجز، ومن بينها التعليم عن بعد، بعد أن اقتحم «الفيروس» حياتنا وحياة طلبتنا على حين غرة، لينقلهم الى واقع افتراضي جديد وتحدي مفاجئ بالولوج الى عالم «الرقمية» والتماشي مع التكنولوجيا الحديثة وفي زمن قياسي.

ولنا أن نتخيل في صباح كل يوم كان يتوجه نحو 200 الف طالب وطالبة جامعيين الى كلياتهم، مستخدمين وسائل النقل العام، ومتنقلين من محافظة الى اخرى، ومختلطين مع كافة شرائح المجتمع، لا يعرف من يحمل الفيروس، ومن لا يحمله؟ ومن أين مصدره؟، مجرد التفكير بهذه الدوامة أمر مرعب، يدعونا للتماشي مع التعليم الرقمي إلى حين إنفراجة قريبة بحول الله.