أبواب - زياد عساف

«الكلمة.. الصوت.. اللحن»، ثلاثة عناصر يحتكم إليها المهتمون في إعادة إحياء الزمن الجميل للأغنية العربية، وبقيت كل هذه الاّمال أشبه بصرخة في واد لإغفال العنصر الذي لايقل أهمية المتمثل في الرقابة على المصنفات الفنية والغنائية تحديداً با عتبارها معياراً رئيسياً ومهما في نهوض الغناء أو تراجعه، والوصول لهذه الحقيقة يكمن بالإجابة على السؤال الإفتراضي: على أي أساس كان يتم رفض أغنية ما وإلى أي درجة كانت مقنعة هذه الأسباب؟، أما الشق الثاني من السؤال: كيف سمحت الرقابة بإجازة أعمال أو صلتنا لما بات يعرف ب (عشوائيات الأغنية العربية !).

مبررات..

الحفاظ على القيم الإجتماعية والأخلاقية من ضمن الألويات التي أنشئت من أجلها المؤسسات التي تجيز أو ترفض الألحان الغنائية على مستوى البلاد العربية، أما على أرض الواقع كان هناك سجالات وحكايات كثيرة أرَّخ لها باحثون ونقاد تتعلق بالرفض أو الاعتراض على إجازة أغان منها ما يستحق ذلك، وأخرى لم تنصف ما ولَّدَ غصة في نفوس مبدعيها.

توزعت أسباب المنع بمبررات عديدة وهذا حسب ما يؤكده موقع منتدى سماعي المعني بإحياء الفن الجميل والراقي، من هذه الأسباب ما منع اعتراضاً على كلمة أو جملة، أو تغيير كلمات الأغنية برمتها ما يعني الغاء النص الأصلي، وأغان تم تأجيل تقديمها، وهناك أغان لم تبث عبر الوسائل المسموعة والمرئية ولم تقدم بحفلات عامة أيضاً رغم أن أغلبها سجِّلْ على اسطوانات أو كاسيتات.

ممنوع.. مرغوب

ولا يخف على كل غيور ومختص في مجال الأغنية أن الرقابة أوقعت ظلماً فادحا على العديد من الأعمال المتميزة وجاء الرفض نظراً للمزاجية وقلة الخبرة لدى الرقباء أو الحرص المبالغ به من طرفهم لاسترضاء أصحاب الشأن المعنيين بفرض هذا النوع من القرارات لأسباب بعيدة كلياً عن الفرز بين الغث والسمين في هذا المجال، وحسب المقولة الدارجة (شر البلية ما يضحك) فإن العديد من الأعمال التي طالها سيف الرقابة أصبحت من ضمن الأغنيات التي لاقت رواجاً فيما بعد نظراً لجمالها وروعتها، أو لهفة (السمِّيعة) ممن يتبعون المقولة الدارجة (كل ممنوع مرغوب) وما أكثرهم، وهذا ما خدم المطرب أحمد عدوية باعتباره من أكثر المطربين الذين لم تعترف بهم الرقابة، ويقول عدوية بهذا الخصوص في لقاء أُجري معه مؤخراً أن منع الرقابة لأغنيته (السح ادح امبو) حقق له شهرة عريضة لم يكن يحلم بها !.

أمثلة..

الأمثلة بهذا الصدد يصعب حصرها، الفنان اللبناني أيليا بيضا كان قد سبق فريد الأطرش في أدائه لأغنية (يا ريتني طير) للملحن الفلسطيني يحيى اللبابيدي، ألا أنها منعت من قبل الإذاعة اللبنانية لأن الكلام يخرج عن حدود الأدب مثل (يا ريتني علكة تعلكيني)، إلا أن فريد عدَّل كثيراً في كلمات الأغنية وقدمها بالشكل الذي نستمع اليه الاّن، والفنانة اللبنانية صباح واجهت العديد من الإشكاليات مع الرقابة ومنها أغنية (شاب واستحلى)، وكان الاعتراض على ثلاث كلمات وردت في نص الأغنية وهي: (أسبِّلو) بمعنى أشتمه، (تحركش) بمعنى تحرَّش، و(استحلى) إلى أن تم إجازتها فيما بعد، وفي مشهد من فيلم (إغراء) 1957 تغني صباح لشكري سرحان (من سحر عيونك ياه) وتلفظ الكلمة الأخيرة (يااااااه) بأسلوب لايخلو من الغنج والدلال الغير مستحب، ما اضطرمحمد عبد الوهاب تسجيل اللحن بطريقة مختلفة وبناء عليه حصل على الموافقة على الأغنية والسماح بعرض الفيلم بعد تسوية هذا الخلاف.

يا شبشب الهنا..

يجدر التنويه أن بعض الأغنيات التي لم يُسمح لها البث عبر الإذاعة، أجيزت كأغنية سينمائية ضمن سيناريو فيلم معين، ومن الأمثلة على ذلك أغنية عبد العزيز محمود: (يا شبشب الهنا قلوبنا فرشتك.. يا ريتني كنت انا ووقعت وقعتك)، وجاءت هذه الأغنية في مشهد من فيلم (منديل الحلو) إنتاج 1949، وهذا ما ينطبق على أغنية (يا نور جديد) أو عيد الميلاد غناء ولحن محمد فوزي، وللخروج من هذا المأزق وظفها فوزي في مشهد غنائي جميل بفيلم (نهاية قصة) 1951.

أغنية (يامه القمر ع الباب) لكروان الشرق فايزة أحمد منعت من البث في الإذاعة الأردنية حصراً في بداية الستينييات وهذا مالم يحدث في بلد عربي اّخر، وجاء ذلك بناء على تعليمات المرجعيات الدينية في المملكة الأردنية الهاشمية با عتبار كلمات الأغنية تخرج عن حدود الأدب، وتم تصوير هذه الأغنية في مشهد من فيلم (تمر حنة) وكانت هذه الأغنية سبباً رئيسياً في نجاح الفيلم.

طلاسم..

وحتى بعض الأغاني التي رفضت كونها تمس الأديان من وجهة نظر الأزهر والمرجعيات الدينية، ظلت موجودة كأغنية سينمائية واقتصر المنع على عدم بثها في المحطات الإذاعية، ومنها على سبيل المثال: أغنية (الطلاسم) لإيليا أبي ماضي التي واجهت النقد والرفض كونها تشكك في معنى الوجود: (جئت لا أعلم من أين.. كيف جئت كيف أبصرت طريقي.. لست أدري)، إلا أن محمد عبد الوهاب قدمها بصوته بفيلم (رصاصة في القلب) إنتاج 1944، وأعادها أيضاً عبد الحليم حافظ بفيلم (الخطايا) 1962، اعترض الأزهر أيضاً على أغنية (لست قلبي) لعبد الحليم وشعر كامل الشناوي ما ألزمه بتعديل جملة (قدر أحمق الخطى) إلى (قدر واثق الخطى) هذا التعديل ظل محصوراً ضمن التسجيل الإذاعي فقط، إلا أن النص الأصلي بقي على حاله وبصوت حليم عندما سجَّل هذه الأغنية مسبقاً ضمن سيناريو فيلم (معبودة الجماهير) 1967 لاستحالة ذلك بعد أن تم تصوير الفيلم وعرضه في كل البلاد العربية.

أما بالنسبة لأغنية (المسيح) التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي لعبد الحليم وتتطرق لموضوع الصلب الذي اعترض عليه الأزهر فلم يشملها التصوير السينمائي وتم تعديل كلمة (صلبوه) ل (خانوه) مع شرط عدم غنائها على مسارح جمهورية مصر العربية، مع التنويه أن التلفزيون الأردني أعتاد أن يبثها في أواخر الستينييات في مناسبات أعياد الطوائف المسيحية وهذا ما ينطبق على أغنية (ليه خلتني أحبك) للمطربة ليلى مراد التي سجلتها على اسطوانة فقط بعد الإفتاء بالإعتراض على جملة (روح منك لله) باعتبارها تمس الذات الإلهية، وأعادتها المطربة نجاة الصغيرة مع تعديل في الكلمات ما سمح لها بتسجيلها في الإذاعة، إلا أن أغنية ليلى مراد هي الأفضل والإستماع للطرفين يؤكد ذلك.

جور جينا..

الترويج للتدخين أو المسكرات خط أحمر بالنسبة للرقابة، هذا ما كان في السابق وليس الاّن بطبيعة الحال، وعاد موسيقار الأجيال لخوض الصراعات مع الإذاعة المصرية بعد رفضها تسجيل أغنيته (سيجارة وكاس)، وكان هذا مصير أغنية (فنجان شاي مع سيجارتين) لحن وغناء محمد الموجي بمشاركة المطربة مديحة عبد الحليم، وما حافظ على بقاء هذه الأغنية للاّن أن الموجي سبق وصورها بطريقة الفيديو كليب البدائية وبطريقة التصوير السينمائي.

من الممنوعات وحسب عرف الرقابة الفنية في لبنان عدم جواز التغني بالشخصيات العامة، وكان ذلك أشبه بحائط الصد بالنسبة للموسيقار فريد الأطرش عندما فكر أن يقدم أغنية من الحانه يتغنى بها بملكة جمال العالم في السبعينيات جورجينا رزق ويقول مطلع الأغنية (جورجينا.. جورجينا.. حبيناكي حبينا)، واضطر فريد أن يعدل في الكلمات لتصبح (حبينا.. حبينا.. حبيناكي حبينا) وكانت من نصيب الفنانة ميرفت أمين عندما غناها فريد لميرفت بفيلم (نغم في حياتي) إنتاج عام 1974.

تحايل..

واحد من أشكال الرقابة على الغناء تمثّل بمنع المستعمر لأغنيات معينة كونها تحرض الشارع على المقاومة وطرد المحتل الأجنبي، هذا المنع تفتق عنه اللجوء للحيلة بمواجهة هذا المنع، والمثال الشهير على ذلك أغنية (يا بلح زغلول) ألحان سيد درويش التي تبدو ظاهرياً أغنية عاطفية، إلا أن المقصود بها الزعيم الوطني المصري سعد زغلول الذي نفته السلطات البريطانية خارج مصر وراح الناس يتغنون بإسمه من خلال هذه الأغنية ما ألهب حماس الشارع، تشير المصادر أن كاتب هذه الأغنية هو يونس القاضي مؤلف النشيد الوطني المصري، ومصادر قليلة تفيد بأن المؤلف هو بديع خيري.

يونس القاضي كان أول رقيب على المصنفات الفنية في مصر، وخبرته بالتحايل على الرقاية أهلته لكشف الخبايا في تجاوز القوانين، ويحسب له بأن أول خطوة قام بها بعد توليه المنصب بأن حذف كل أغانيه التي تجاوزت الذوق العام مثل: وانا مالي هي اللي قالتلي، بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة، تعال يا شاطر نروح القناطر، وارخي الستارة اللي في ريحنا، وهو الذي غنت أم كلثوم في بداياتها من كلماته (الخلاعة والدلاعة مذهبي)، وظلت هذه الأغنية واحدة من الأخطاء التي لازالت ثغرة في تاريخ سيدة الغناء العربي، وأعاد تعديلها أحمد رامي بصيغة (اللطافة والوداعة مذهبي).

مصطفى يا مصطفى..

قرارات المنع المتعلقة بالأغاني لأسباب سياسية تحت مسمى الرقابة على المصنفات الفنية لم تكن بأغلبها منطقية ويحكمها الهاجس الأمني، ويتحكم بها طبيعة العلاقات بين الدول أيضاً، أي أن المزاجية في اتخاذ القرار في معظم الحالات كانت من الأسباب التي همَّشت العديد من الأعمال الغنائية الجديرة بالإستماع.

في البلاد العربية ومنها التي عُرِفَتْ بكثرة الإنقلابات خاصة يتم الغاء كل الأغاني التي تمجد النظام السابق، ومن الأمثلة على ذلك (نشيد الحرية) لمحمد عبد الوهاب ومنع في عهد الملك فاروق اعتراضاً على الكلمات مثل (أنت في صمتك مرغم)، وتم السماح بتسجيل الأغنية في عهد حكم ثورة يوليو مع تعديل العبارة على الشكل التالي (كنت في صمتك مرغم)، إشارة لإدانة فترة حكم فاروق، وهذا ما ينطبق على الأغنية الشهيرة (مصطفى يا مصطفى) لمطرب الفرانكو أراب بوب عزام، وسجلت في الإذاعة عام 1959 أي بفترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، ويعود سبب منع الرقابة لاستنتاج الرقيب بأن المقصود من ذلك التمجيد بمصطفى باشا النحاس زعيم حزب الوفد بفترة الحكم الملكي في مصر، وما يثير الشك بهذه المقولة أن هذه الأغنية قدمها بوب عزام بفيلم (الفانوس السحري) 1960، وقدمت أيضاً بطريقة الدوبلاج بفيلم (الحب كده) 1961 أي بفترة حكم عبد الناصر.

بفترة حكم الرئيس السادات صدرت القرارات بمنع كل الأغاني التي تتعلق بثورة يوليو وخاصة أغاني الثورة التي تميز بها عبد الحليم حافظ، وسُمِحَ بإعادتها بفترة حكم الرئيس مبارك تلافياً لهذا النوع من الإشكاليات.

عيني علينا..

توجيه تهمة تبني الفكر الشيوعي كانت الحجة التي تلجأ إليها الرقابة أحياناً لمنع تسجيل بعض الأغاني في الإذاعة المصرية المونولوجيست عمر الجيزاوي تم منع أغانيه في عهد الملك فاروق بتهمة أنه شيوعي بالرغم من أنه إنسان بسيط لم يكن يجيد القراءة والكتابة إلا أن السبب الرئيسي لذلك عدم تغنيه بالحاكم وفي الوقت نفسه ينتقد النظام بأسلوبه الساخر ضمن الجلسات الخاصة، وبنفس الفترة رفضت الرقابة إغنية (عيني علينا يا فقرا الحرب) لاسماعيل ياسين كونها تروج للشيوعية حسب وجهة نظر السلطة المخولة بالمنع، وعدلها اسماعيل فيما بعد بـ(عيني علينا يا أهل الفن)، الفنان محمد حمام صاحب أغنية (يا بيوت السويس) تعرض للسجن ومنعت أغانيه لسنوات عديده لميوله اليسارية ما اضطره للسفر خارج البلاد لفترة طويلة من الوقت، وبفترة حكم ناصر والسادات لطالما أودع في السجن كل من الشيخ إمام واحمد فؤاد نجم بسبب أغانيهم المحرضة في الشارع إلا أنها وصلت للناس عبر الكاسيت بالخفية، ونظراً لتشابه الأسماء منعت أغنية (يا عيني ع الصبر) لوديع الصافي من بثها عبر الإذاعة لسنوات طويلة، فمؤلف الأغنية هو نجيب نجم إلا أن الرقيب أوقفها ظناً منه أنها للشاعر المعارض أحمد فؤاد نجم !، وفُرِضَ المنع على أغاني مارسيل خليفة لطبيعة أغانيه المحرضة أيضاً من الوقت وفي العديد من البلاد العربية.

القرد النوبي..

في الألفية الثالثة لم تعد تجد الرقابة مع رواج المحطات الفضائية ومواقع النت واليوتيوب رغم الإعتراضات التي تبديها بعض المؤسسات المعنية مثل نقابة المهن الموسيقية، ففي مصر صدرت قرارات بمنع ما يطلق عليهم مطربي المهرجانات مثل أورتيغا وحمو بيكيا وشاكوش، إلا أن ذلك لم يحل من وصول أغانيهم للملايين وأصبحوا يطلبوا للغناء في بعض الدول العربية، ولطالما تعرض النوبيون للتهكم من خلال الأفلام القديمة بتقديمهم في إطار الشخصية الساخرة أو في دور بواب عمارة، وعاد هذا النوع من التجني ولكن في الغناء هذه المرة بأغنية هيفاء وهبي (بابا فين 2) وواجهت الأغنية من النقد الكثير كونها تشجع على التمييز العرقي باستخدام عبارة (القرد النوبي) إلا أن الرقابة أبهرت بالأغنية وأجازتها وعلى رأي المثل (القرد في عين أمه غزال ) ! .