يوشك نظام عالمي جديد أخذت ملامحه تتشكل في الأعوام الأخيرة على الانبثاق، ومن المناسب أن تكون محنة وباء كوفيد 19 الجارية علامة فارقة تؤرخ للانتقال من نظام إلى آخر بديل، وان تفتحه عصرًا جديدًا من العلاقات الدولية، وعلى الرغم من الآثار السلبية الكثيرة التي أسفرت عنها أزمة الوباء، إلا أنها أشارت بوضوح على ضرورة تعزيز التعاون بين مختلف دول العالم لمواجهة التحديات التي تتزاحم على أجندة الإنسانية في السنوات المقبلة.

أطلق الملك قبل أعوامٍ أيضًا دعوته عالمية الطابع لإعادة النظر في العولمة، وأحاديثه حول استثمار التكنولوجيا لمصلحة الإنسان في كل مكان، ومؤخرًا دخلت الأدبيات الفكرية في العالم عبارة جلالته «إعادة ضبط العولمة» التي كانت مدعاة لعديد من الزعماء العالميين للانخراط في جهود حثيثة للتواصل البناء بين الأمم من أجل الخروج بتصور لعالمٍ أكثر انفتاحًا على مفاهيم العدالة التي تقوم على فهم عميق لترابط جميع شعوب الأرض وتداخل مصالحها المستقبلية، وأتت قمة تأثير التنمية المستدامة، التي يعقدها المنتدى الاقتصادي العالمي، لتضيف مزيدًا من التصورات الملكية حول المستقبل، وتدفع بإضاءات متجددة وأفكار ثرية ترشد لطريق عملي يمكن للعالم أن يسلكه للتعافي من الجائحة الراهنة.

في تعبير عن الواقعية السياسية التي تحتاجها العلاقات الدولية يقدم الملك نموذج الشراكات الثنائية والثلاثية وعلى مستوى الأقاليم بوصفها هدفًا يمكن تحقيقه في ظل ضغط عامل الوقت، وبالطريقة التي تستثمر بحكمة وذكاء واقع الجغرافيا، ومن شأن هذه الشراكات أن تشكل النواة لشبكة أمان عالمية، للتخفيف من وطأة الفقر والبطالة، وتعزيز الأمن الغذائي وحماية البيئة، وهي التحديات الرئيسية التي تتصدر أولويات العالم، أو يجب أن تتصدرها لتحقيق نظام عالمي أكثر تكاملًا ومنعةً وإنصافاً.

يطرح الملك بكل مسؤولية وشجاعة على طاولة التعاون العالمي مسألة العدالة على المستوى الدولي عن طريق تمكين البلدان المختلفة من تحقيق التوازن بين الاعتماد على الذات والتكافل، وعلاوة على ذلك، يخفف من حدة التوتر والتزاحم الذي يستهلك موارد العالم دون طائل، ليكون ذلك مدخلاً لحالة من السلام العالمي يمكن أن يحظى فيها الجميع بثمار التقدم التكنولوجي والصناعي ويحقق التنمية المستدامة.

يتزايد الاهتمام العالمي بدعوة الملك التي أخذت تشكل إطاراً عاماً لظهور توجه دولي يمثل الدول الطموحة والصاعدة على الساحة العالمية التي تسعى أن تكون جسراً بين الدول الفقيرة الغارقة في الأزمات مثل المجاعات والحروب، والدول المتقدمة التي بدأت تدخل في العصر الجديد، ويقوم الالتفاف من نخبة من قادة العالم حول الدعوة الملكية على أساس قناعة استطاع جلالته أن يغرسها وينميها حول ما يمكن أن تستفيد منه الإنسانية في حالة اللجوء إلى شراكات منصفة ومستدامة تكون مدخلاً للتخفيف من وطأة الصراع العالمي وتدشين عصر من التكامل بين الدول والبشر في عصر يتطلب إعادة النظر في كثير من المسلمات.