عمان- شروق العصفور

قال القاص والناقد موسى أبو رياش إن جائحة كورونا شكلت فرصة لمراجعة الأولويات والخطط الثقافية، وإن الأوان قد آن لتقليص عدد الهيئات الثقافية، والتوجه نحو فعاليات وأنشطة نوعية منتجة ومؤثرة، والتخلص من النشاطات الشكلية الدعائية الفارغة التي تسكل عبئًا على الثقافة والمثقفين.

وكشف أبو رياش أنه أنجز مؤخرا عددا من القصص المستوحاة من أجواء كورونا، إضافة إلى كتابة يومياته، ومجموعة من الخواطر.

ورأى أبو رياش أنه من المبكر الكتابة حول وباء كورونا وآثاره، مؤكدا أنه لن يكون هناك أدب باسم «أدب كورونا»، فلم يحدث هذا من قبل لا بسبب الأوبئة أو حتى الحروب العالمية، ولكن سيكون هناك أدب حول أزمة كورونا وملابساتها وتأثيراتها وأجوائها وغير ذلك مما يستهوي المبدعين أو يستفزهم.

«$» التقت ابو رياش في الحوار التالي:

كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

لم يختلف الأمر عليّ كثيرًا؛ فأنا متقاعد وأقضي معظم وقتي في القراءة، وفي أجواء كورونا زادت وتيرة قراءاتي، ونشطت قليلًا في الكتابة؛ بالإضافة إلى التصفح الإلكتروني لمواقع التواصل والمواقع الثقافية والإعلامية. ومع ذلك، ففي الحظر الشامل وما تلاه من ساعات حظر طويلة، كنت أشعر بالضيق؛ فمن الصعب تقبل أن تقيد حريتك، وتجبر على المكث في بيتك رغم إرادتك، حتى وإن كان لمصلحتك!

بوصفك مثقفًا.. هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن والصراعات الدائرة فيه؟

من الصعب تغيير المفاهيم، ولكن الأزمة زادت من قناعاتي بما أؤمن به، وخاصة على صعيد المناسبات الاجتماعية مثل الحفلات بأنواعها وخاصة طقوس الأفراح وبيوت العزاء وغيرها، فالأصل أن تكون بسيطة ميسرة، دون كلفة ترهق أي طرف. كما أظهرت الأزمة ضرورة الحكومة الإلكترونية، والتعليم عن بعد، وغيرها من الأمور التي يمكن أن تتم إلكترونيًا بسرعة دون حاجة للمراجعات والطوابير والانتظار والكلف المرتفعة وغيرها من المحبطات البيروقراطية. كما أن الأزمة كشفت أهمية الاعتماد على الذات محليًا، والاستثمار بكل ما هو متاح، وضرورة وجود مركز للدراسات والتنبوءات المستقبلية.

أما عالميًا، فقد أكدت الأزمة أن المصالح هي التي تحكم العالم، وأن لا صديق حقيقيًا معك في الضراء، وأنه عند الأزمات الكبرى لا يلتفت أحد إلى أحد إلا بمقدار ما يمكن أن يكسب منه. وهذه هي السياسة بأجلى صورها وواقعيتها، ولذا فإن الرهان على الخارج خسارة متحققة، ولعبة قمار، قد تربح مرة، ولكنها خيبة وضياع في المحصلة.

ولعل هذا يتطلب أن نلتفت كدولة ومواطنين إلى تمتين النسيج الاجتماعي، والعمل على تقوية الجبهة الداخلية، وعدم إقصاء أي طرف من المعادلة، فلكل دوره في البناء والتعمير والنهوض بالوطن، والحرص على العدالة الاجتماعية، وترسيخ قيم الحرية ومبادئها، ومعالجة أوجه الخلل والترهل أنى وجدت، والإعلاء من القيم الإنسانية الجامعة، وتشجيع الإنجاز الحقيقي ومكافأته، والابتعاد عن المظاهر الشكلية، ومحاربة الزيف والنفاق الاجتماعي والاستغلال.

هل أسهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك؟ وماذا تقرأ الآن؟

وباء كورونا حدث عالمي كبير، ولذا أخذ حقه من القراءة والمتابعة وخاصة في البدايات. وفي ظل الأزمة، توجهت بشكل أكبر للأعمال الإبداعية الأردنية المتوافرة بين يدي، فقرأت الكثير منها، وكتبت حول بعضها، ولم أهمل بالطبع قراءة الأعمال العربية والعالمية المترجمة، وآخر قراءاتي كانت في أدب الرحلات «نشوة الشّمول في السّفر إلى إسلامبول، ونشوة المُدام في العود إلى مدينة السّلام» لأبي الثناء الألوسي، تحقيق د.هيثم سرحان، وقبلها رواية «قابض الرمل» لعمر خليفة.

هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

أزمة بحجم كورونا، يجب أن تهز الكاتب وتستفزه للكتابة حولها أو من وحيها أو بتأثيرها. كتبت قصصا عدة من أجواء كورونا، كما كتبت يوميات متفرقة، وبعض الخواطر. أما الكتابة حول وباء كورونا وآثاره وأسبابه، فأرى أنه لم يحن الأوان بعد؛ فما زال العالم يضرب أخماسًا بأسداس حول كورونا، والاتهامات تتطاير، والتأويلات تتضارب، والوباء يواصل فتكه وضرباته هنا وهناك، وثمة موجة ثانية اجتاحت بعض الدول، وما زال الأفق غائمًا. ولذا فإن الكتابة حول كورونا في هذه الظروف، وقبل أن ينجلي الغبار، مغامرة غير محمودة العواقب.

هل تعتقد أنه سيكون هناك أدب يسمى «أدب كورونا»؟

لا، لن يكون هناك أدب باسم «أدب كورونا»، كما أن ذلك لم يحدث من قبل لا بسبب الأوبئة أو حتى الحروب العالمية، ولكن سيكون أدب حول أزمة كورونا وملابساتها وتأثيراتها وأجوائها وغير ذلك مما يستهوي المبدعين أو يستفزهم، باعتبارها حدثًا كبيرًا لا يمكن تجاهله ولا إنكار تأثيراته وانعكاساته وحجم التغيرات العالمية التي أحدثها كما لم يحدث من قبل، وبدأت بعض الأعمال تظهر وستتوالى محليًا وعالميًا، فالأزمة كبيرة وعالمية، وستحظى باهتمام كبير جدًا يفوق أي أزمة من قبل، وسيكون للسينما النصيب الأكبر من الاهتمام؛ لأنها أكثر إغراء، وأكبر قدرة على التعبير عن هذه الأزمة أو الكارثة العالمية الكبرى.

ما دور المثقف في هذه الأوضاع، هل بإمكانه أن يساند الإجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين، وكيف؟

المثقف في هذه الظروف، وفي الوضع الطبيعي المعتاد، يفترض أن يكون صاحب مبادرة، ودور تنويري وتوعوي متقدم، وأن يكون بسلوكه وكتاباته مثالًا للقيم والأخلاقيات الإنسانية الجميلة، يدعم الخير وما ينفع الناس، ويحارب الشر وما يضر الناس، ويحارب القيم الاستهلاكية والاستغلالية والانفلات دون ضوابط، ويدعو قولًا وعملًا لقيم التكافل والتعاون والتعاضد الاجتماعي، ويدعم كل جهد في هذه الاتجاه.

* كيف ترى مستقبل المشهد الثقافي في ظل إجراءات الحظر والتباعد التي تفرض نفسها على جميع نواحي الحياة؟

لست متفائلًا كثيرًا في هذا الجانب وخاصة على الصعيد المحلي، ولكن الأزمة كانت فرصة ذهبية لمراجعة الأولويات وأساليب العمل والخطط الثقافية والتفكير بفعاليات جديدة، بما يتلاءم مع العصر الرقمي، وانشغال الناس بما هو أكثر إثارة وتشويقًا، وآن الأوان أن يتقلص عدد الهيئات الثقافية، وخاصة في المدن الثلاث الكبرى (عمّان والزرقاء وإربد)، وأن تتوجه نحو فعاليات وأنشطة نوعية منتجة ومؤثرة، والتخلص من النشاطات الشكلية الدعائية الفارغة التي تكون عبئًا على الثقافة والمثقفين.