أبواب - تالا أيوب

تنتشر بسرعة هائلة وتملأُ الفضاء الالكتروني وتتدفق بين صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في وقت قصير، هذا مآل صور ومقاطع فيديو تتداولها أسر كثيرة عبر جروبات خاصة بهم، وما أن تصل لغيرهم، حتى تنتشر كالنار في الهشيم على مختلف الصفحات ومواقع إخبارية الكترونية.

هذا الأمر أثار استهجان أسر كثيرة من إعادة نشر هذه الصور ومقاطع الفيديو لأحد أفرادها دون أخذ الموافقة منهم، أو حتى احترام خصوصيتها، الأمر الذي شكّل صدمة كبيرة لهم من مثل هذه التصرفات التي يقوم بها بعض روّاد وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يرى بعضهم أنه يحق لهم إعادة نشر المحتوى الذي يصل إليهم، طالما نشره صاحب العلاقة.

فوضى في النشر وانتهاك للخصوصية وتنمر مسيء

وفي هذا السياق تقول هبه صباغ -وهي والدة الطفل مقبّل التلفاز- الذي انتشرت صورته على نطاق واسع لـ«أبواب-الرأي»: «قام أحد أبنائي بتصوير أخيه وهو يقبّل وزير التربية والتعليم من على شاشة التلفاز، عند الإعلان عن قرار تعليق دوام الطلبة والتحوّل الى التعليم عن بعد لمدة أسبوعين».

وتضيف: «أرسلت الصورة الى عدد قليل من جروبات خاصة عائلية، وخلال نصف ساعة وصلتني الصورة من عدة جروبات محلية مختلفة، وما فاجأني بأنها وصلتني من أشخاص يعيشون خارج الأردن، بالرغم من عدم معرفتهم بأن الصورة تعود لإبني اذ كان الهدف مشاركة الصور الجميلة والمعبرة».

وتشير صباغ الى أن الصورة عفوية وفكاهية نوعا ما، ولا يوجد فيها إساءة لأي شخص، ولم يكن لديها أي مانع بإعادة نشرها، غير أنها تلفت الى أن ما أزعجها تعليقات بعض الأشخاص السلبية، والتنمر الذي حصل على ابنها، واطلاق الأحكام عليه، والتوقعات المستقبلية السلبية له، وأنه لن يحظى بمستقبل ناجح، ولم تكن مضطرة الى التحدث عن ابنها واهتمامه بدراسته سواء في المدرسة، أو عن بعد وهو من المتفوقين دراسيا.

وأوضحت صباغ والدة الطفل «أمير» ان سبب فرحته هو تخوفه من الإصابة بفيروس كورونا اذ توجد إصابتان بالمدرسة التي يتعلم فيها الامر الذي ولّد هاجسا من القلق لدى أمير وعائلته.

وتلفت الى أنها حريصة جدا بما ترسله الى أشخاص حتى لو كانوا من المقربين جدا، ولا ترسل أي تسجيل صوتي اذ أنها تفضل الحديث هاتفيا للتعبير عن رأي معين وإيصال وجهة نظرها، من أن ترسل تسجيلا صوتيا خوفا من إعادة إرساله الى جهات مختلفة، كذلك الحال بما يتعلق بالصور فلا ترسل أية صورة بها جدل قد تتسبب بانتشارها على نطاق واسع، لأننا حسب قولها بحقبة تسيطر عليها التكنولوجيا الذكية، وأصبح من السهولة إعادة إرسالها وانتشارها على نطاق واسع.

تواصل «أبواب-$» مع عدد من الأمهات اختبرن هذه التجربة، وصرّحن بأنهن شعرن بانتهاك خصوصيتهن في بيوتهن، اذ كثير منهن لا يحبذن تصوير ونشر ما يتعلق بشؤون أبنائهن الخاصة، الأمر الذي أضطرهن للطلب من جروبات مواقع التواصل الاجتماعي بحذف هذه المقاطع التي تعود لأحد أفراد أسرتهن والطلب من الأمهات حذف المقاطع من هواتفهن المحمولة.

وفضلت الأمهات التي تواصل معهن «أبواب - $» عدم ذكر أسمائهن الصريحة وللإدلاء بخبرتهن خوفا من تعرضهن للتنمر كما واجهنه عند انتشار صور ومقاطع فيديو سابقة.

شهرة أم تنمّر؟

تقول الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي فداء أبو الخير لـ«أبواب-$»: «تتأثر نفسية من تنشر عنهم الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير خصوصا على متابعيها الذين يستطيعون قراءة التعليقات والملاحظات التي تنشر عنهم».

وتتابع: «اذا كانت التغذية الراجعة عن الصور والفيديوهات إيجابية، وانشهر الطفل على اثرها، فسيصبح تقديره لذاته مستمدا من تعزيز الاخرين له ونظرتهم الإيجابية عنه، وبالتالي سترفع من ثقته بنفسه، وبالمقابل ستؤثر عكسيا عليه اذا كانت سلبية عنه بعد شهرته، اذ سيرى ذاته سلبيا وغير جيد وعندها ستظهر بعض الأعراض بالظهور كالانسحابية والاحباط والعدوانية وما الى ذلك (...)».

وتكمل: «أما اذا كانت التعليقات سلبية عليه وتعرّض للتنمر، فستأخذه الى حالة من الاكتئاب والقلق الاجتماعي و(...)». وتلفت الى بعض الأشخاص الذين انتحروا بسبب تنمر السوشال ميديا.

وترى أبو الخير ان ذلك يعد استغلالا وزجّ الطفل في عالم السوشال ميديا دون رغبة منه أو بقراره. وتنصح الآباء والأمهات بتعزيز أبنائهن بمهارات معينة يمتلكونها بعيدا عن الأضواء، وعندما يكبرون نترك لهم خيار ذلك، وبالتالي يتحملون مسؤوليته.

ضرورة مخاطبة وعي وأخلاقيات المستخدم المجتمعية

وفي هذا الصدد يقول خبير علم الاجتماع الدكتور مجدي الدين خمش لـ«أبواب-$»: «ان السوشال ميديا تقدم مشاعر وامكانيات مختلفة للشخص، وتشعره بالفردية والسيطرة اذ ان حب السيطرة لدى الانسان حب عميق وله جذور تاريخية يفسر لنا كثير من اهتمامات الانسان كأن يقرأ الأخبار بشكل يومي ليشعر بأنه مسيطر على البيئة التي حوله.

ويلفت الى وجوب مخاطبة وعي وأخلاقيات المستخدم المجتمعية، والتي هي من ضمن الثقافة المجتمعية العامة، وتوضيح ما يسمح المجتمع به وما لا يسمح به، والالتزام بالأخلاقيات الكريمة كي تسود الطاقة الإيجابية السوشال ميديا.

ووفق الدكتور خمش: «أثبتت السوشال ميديا أنها أداة مهمة جدا لدى الناس خلال جائحة كورونا، وهنا يجب التركيز على الأخلاقيات التي توجّه سلوكنا على السوشال ميديا، مبيناً في هذا الصدد الى الأخلاقيات تتمحور حول أن يكون الشخص ايجابيا وينتقي كلمات جميلة ومدحا وأن يكون بناء ويحس بالمسؤولية نحو الآخرين والمجتمع، اذ ان الكلمة تبني وتهدم فالكلمة مسؤولية».

وينصح روّاد التواصل الاجتماعي الذين تصلهم صور أو مقاطع فيديو بألا يعيدوا ارسالها الى أحد، اذ انها أرسلت اليهم فقط. واذا كان بإمكان من ينشر صور ومقاطع فيديو التحكّم ببعض الإعدادات على الفيسبوك التي تتيح النشر دون خيار المشاركة منعا لإعادة الإرسال.

ويختم الدكتور خمش حديثه بالاقرار ان السوشال ميديا أداة ونشاط لا يمكن الاستغناء عنه وأصبح جزءا من الحياة اليومية ومفيدا ويحمي القدرات العقلية وبالأخص لكبار السن ويشبهها بالقراءة، غير انه يلفت في الوقت ذاته الى ان شعبنا يتميز بالأخلاق الكريمة ولكن هناك فئة قليلة للأسف متنمرة مندفعة.

نشر الصور دون إذن مسبق مخالف للقانون

وحول الرأي القانوني لعملية النشر والتداول يقول المحامي رعد غصاب عويس ان الصور الفوتوغرافية والصور الرقمية الثابتة محمية قانونا بحسب نص المادة 26 من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة والتي نصت:

«لا يحق لمن قام بعمل أي صورة أن يعرض أصل الصورة أو ينشره أو يوزعه أو يعرض أو ينشر أو يوزع نسخاً منها دون اذن ممن تمثله، ولا يسري هذا الحكم اذا كان نشر الصورة قد تم بمناسبة حوادث وقعت علناً أو كانت الصورة تتعلق برجال رسميين أو أشخاص يتمتعون بشهرة عامة، أو سمحت السلطات العامة بنشرها خدمة للصالح العام».

وحسب ذات النص «ويشترط في جميع الأحوال عدم عرض أي صورة أو نشرها أو توزيعها أو تداولها، اذا ترتب على ذلك مساس بشرف من تمثله، أو تعريض بكرامته أو سمعته أو وقاره أو مركزه الاجتماعي، على ان للشخص الذي تمثله الصورة أن يأذن بنشرها في الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الاعلام حتى ولو لم يسمح بذلك الشخص الذي قام بعمل الصورة الا اذا كان هناك اتفاق يقضي بغير ذلك وتسري الاحكام على الصور ايا كانت الطريقة التي عملت بها سواء بالرسم او الحفر او النحت او بأي وسيلة أخرى».

ووفق عويس فان النص هنا واضح وناطق بما فيه من دلالة على عملية منع التداول الا اذا سمحت السلطات بذلك خدمة للصالح العام.

وبخصوص تطبيق «الواتساب» الخاص بتبادل الرسائل النصية والصور والذي تملكه شركة فيسبوك يشير عويس الى أنه يتمتع بحماية بخاصية التشفير فيما بين المرسل والمرسل اليه من خلال سياسة التطبيق نفسها وعليه فأن ارسال أحد الأشخاص الى شخص آخر مجموعة من الرسائل النصية أو الصور فلا يعني بأي حال من الأحوال تفويض المرسل اليه لاستعمال هذه الصور أو الرسائل وإعادة نشرها في مواقع أخرى بأي وجه من الوجوه.

وحسب المحامي عويس فإن معظم الاتفاقيات الخاصة بحماية الطفل وحقوقه والتي تندرج ضمن هذه الحماية صور الأطفال باعتبارها مكوّنا أساسيا وعنصرا لصيقا بحق الخصوصية والذي يتمتع أيضا بالحماية في كافة التشريعات على الصعيد الدولي والقوانين المحلية.

ختاماً، يجمع خبراء ومختصون على ضرورة مجابهة الفوضى التي تعيشها وسائل التواصل الاجتماعي، والحد من الانتهاكات والتنمر الذي يطال الكثير، من خلال تطبيق القوانين بحزم لردع من يتجاوز ويتطاول على خصوصيات الغير، وبالتوازي مع ذلك العمل على حملات توعية وتثقيف حول كيفية الاستخدام الأمثل لهذه الوسائل، والاستفادة من إيجابيات هذا التطوّر التقني والابتعاد عن التجاوزات التي تقع في سياق المخالفة التي يعاقب عليها القانون.