باتت ملامح الحضارات المتقدمة تقاس بمقدار مواكبتها للتسارع المستمر في النهج الديمقراطي الحديث الذي يوازي بين جميع المتطلبات الضامنة للتطور المجتمعي ووضع أسس تشريعية رقابية تحدد مسارات التنمية وتقود المقدّرات إلى المكان الصحيح وهنا لا بد من أن يمارس الشعب دوره المفصلي المتأتي من إرادة الحياة بترسيخ وتثبيت دعائم الديمقراطية الفاعلة التي تنبثق من الحرية الإيجابية التي تنئى بأصحابها عن التذرع بها لتحقيق مصالحهم الخاصة واقتطاع ما لا يحق لهم فتصبح هنا المعادلة الدقيقة التي تجتث كلمة الحق التي أريد بها الباطل.

فالنهج الإصلاحي الحقيقي لا بد أن يؤمن بدور الإنسان القادر على التطور المتسلّح بالمعرفة إضافة إلى تقسيم الأدوار وفق القدرات على جميع أطياف المجتمعات بحيث يقوم كل فرد بعمله المناط به لتتصل حلقات الإنجاز التكاملي فيصبح الجميع قادرًا على تمييز عملها الاختصاصي فلا تجد من يقوم بعمل غيره فيؤخذ الرأي من صاحب الرأي ويطلب العمل من القادر عليه فيتمركز كل في خندقه مدافعًا عن مجتمعه مرسخًا بذلك مناعة الجماعة مبددًا الشق و الضعف الذي يؤتى منه المجتمع.

إن الأردن الحديث ومنذ انطلاق الثورة العربية الكبرى أصبح يشكل أنموذج التطور المتسارع المبني على الالتزام والذي يضمن وضع الأردن في مصاف الدول المتقدمة فتبنى التجربة الديمقراطية الأولى التي كانت من خلال انتخاب أول مجلس نيابي في ١٩٤٧/١٠/٢٠ ليلتفت العالم إلى الأردن ويعي الجميع قدرته على تبني الأفكار المتطورة التي تصب في الصالح العام واستمر هذا النهج حتى العام ١٩٧٤/١١/٢٣ م وهنا لا بد من الإشارة إلى إن جملة من القرارات المصيرية قد اتخذت خلال هذه الفترة من خلال الإرادة الشعبية لتصبح رسالة توضح للجميع ان مثل هذه القرارات لا تسبر إلا من خلال توافق سياسي وطني يضع الجميع تحت مظلة المسؤولية في اتخاذ القرار فعلى سبيل المثال كان صدور دستور عام ١٩٥٢م وإلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية وعدد من القرارات المفصلية التي توضح الدور الحقيقي للمجالس النيابية الذي ظهر من خلالها دور الشعب باتخاذ القرار السياسي ليصبح فكر بني هاشم الاخيار في تأسيس المدنية الواعية المدركة لطبيعة التحديات التي وجدت بحكم الزمان والمكان لوطن بات يشكل هاله من الوسطية والاعتدال الفكري والسياسي.

إن تفاصيل الحياة النيابية الحقيقية لا تؤتي أُكُلها إلا من خلال توفر عدد من العناصر الضرورية المؤثرة منها الإقبال على الإنتخاب وفرز من يستحق وتفعيل دور الأحزاب والابتعاد عن الجهوية والعنصرية وتغليب روابط الدم لتصب في مصلحة القريب الضعيف على حساب الغريب القوي القادر على القيام بالدور الرقابي والتشريعي الصحيح فإن حملة الفكر السياسي التنموي الاقتصادي هم من يملكون القدرة على رسم السياسات التشريعية القادرة على خلق التحولات الإيجابية أما إصرارنا على أن تكون الفروزات مبنية على روابط الدم والقربى والديمقرافية التي أركبت الخيل لغير فرسان التغيير فالرجل المناسب في المكان المناسب ولا قربى على حساب الوطن فمن حق أبنائك وإخوانك وأهلك وأقاربك عليك أن تختار له من يستطيع أن يشرّع ما يضمن مستقبلهم فغريب عارف خير من قريب جاهل.

إن ما قاله جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بأننا مقبلون على استحقاق دستوري يتمثل بإجراء انتخابات نيابية صيف هذا العام، وتشديده على ضرورة تحفيز الجميع وخصوصًا الشباب للمشاركة في العملية السياسية يؤكد حرصه على استمرار المسيرة الديمقراطية الوطنية وبالرغم من الظروف الراهنة ليتضح لنا جميعًا الاهتمام الكبير من لدن جلالة الملك والحرص على ضمان وجود الدور الشعبي الرقابي على أداء الحكومات والمساهمة في إيجاد التشريعات القادرة على تعزيز مسيرة الوطن كما أن جلالة الملك قد أكد وكعادته على دور الشباب المهم والفاعل في العملية الانتخابية فالشباب هم عتاد الأمة وعماد المستقبل وبهم ومنهم تكون الإنجازات.

إن من الواجب علينا جميعًا أن نقف عند حسن ظن الوطن والقائد وأن نسلّح فكرنا بما يصب باتجاه الصالح العام وان تجاربنا السابقة في هذا الاتجاه قد أملكتنا القدرة على تمييز الغث من السمين فإننا نعلم من للوطن ومن عليه وإن دعوات المقاطعة الآثمة لا تسعى إلا لتثبيت فئة معينة تتوافق مع توجهاتهم وتلبي رغباتهم فالشعبية الحقيقية التي تصب في صالح الوطن تختلف عن الشعبوية الزائفة التي تحاول تغيير مسار المصلحة العامة إلى المصالح الخاصة فدعونا نقف لمن يقف من أجل الوطن ونوقف من وقف ضد الوطن ولنكون قادرين على قول كلمة الحق ونكون القول الفصل فلا نختار من يختارون مصالحهم ولا نتاجر بمن يتاجرون بمبادئهم ولنختر من يمثلوننا بغير انحياز لنقف غدًا بإعتزاز ورضى بما يقدم تحت القبة ولتستمر مسيرة الإصلاح المنبثقة من موقف جلالة الملك الواضح بكسر ظهر الفساد ووأد الفاسدين والمحافظة على مقدرات الوطن وضمان مستقبل الأجيال القادمة فالإنتخاب رأي والرأي وجب بالحق فالسلبية هي من تهدم الأحلام وتشتت الطموحات.